الفصل الأول من رواية: طيور العتمة لـ ماجد سليمان ــ السعودية

0 382

- Advertisement -

ماجد سليمان – السعودية

 

الكُرّاسةُ الأولى:

يَدُ الـموت تَتَحَسَّسُ الأحياء

I

أَفَقتُ فجراً، وجدتني قد تَوَسّدت حذائي وفانيلتي القطن، وكأنّ حشرةً أكلت أجفاني، ملامـحي وكأنّني خارجٌ من قبرٍ قديـم، فطنت للرفاق، وحديث أحدهم:

ـــ لـم أنتسب لبلاط، وعلاوةً على نكد حظّي وحقي الـمبخوس، عِشتُ مُنتقصاً مَـحروماً، لكن حاشا أن أكون كلباً للوزراء.

كان هذا قول بنيامين، بعد أن مسح شفتيه بظهر يده اليمنى الـمعروقة من حرارة الـمكان، وهم يتحلّقون حوله كنتف الثلج على جبلٍ أسـمر، واليأس أشبه بـمخدّرٍ عن الإحساس بالوحشة في هذا الـمكعّب الـمظلم، إلا من نافذةٍ تقارب دائرة وجه الآدمي، يُضيء منها النهار من الزاوية الـمقابلة للباب الفولاذيّ الرفيع، والذي دُقّت صفحته بدوائر حديديّة بـحجم الكفّ، وأُوصلت ببعضها بأسياخ دقيقة.

زجّوا بنا هنا على أثر اتّـهامنا بالانضمام إلى خليّةٍ صغيرة كادت أن تضبط مُـخطّطاً انقلابيّاً في قاعدة الـجيش، وذلك بدعمٍ ماليٍّ عالٍ، وأجندةٍ متعاونةٍ داخل السرايا والكتائب، وبعض القيادات الكبيرة… كنّا ثلاثة عشر ضمن جـماعةٍ كبيرة من الذين رفعوا أيديهم للسماء استسلاماً بعد حصارٍ شديدٍ مفاجئٍ من الدولة لإنقاذ الـحالة من الاستشراء والتوسّع. أوثقوا الأصفاد الثقيلة في معاصمنا، وأحكموا الـحديد العريض على كعوبنا، وساقونا في إثر بعضنا، وصليل السلاسل يطنّ تـحتنا، تقتفينا ألسنة السياط الطويلة، وَدَقُّ فوّهات بنادق طويلة الأعناق في ظهورنا ورقابنا.

كنت الثامن من الـمَسوقين، أُقصِّر خطوة وأتقدّم اثنتين، وبالعكس، كلّه بحسب الـمَسوق أمامي، ضرورة أن أتبعه كيفما أسرع وأبطأ، عكس الذي خلفي، الـماضي في شتمي والبصق على رقبتي كلّما انـجرفتُ مع سرعة مَنْ أمامي وجرفته خِلسةً:

ــــ أيها العتيّ.

ــــ  …

ــــ  أرعنٌ لئيم.

ــــ …

ــــ علامَ تستعجل؟ ليس أمامك غير قفصٍ ينتظرك لتُحشر فيه كالكلب.

لـم أُجبه ولم ألتفت إليه، فقط ألوي رقبتي من برودة بصاقه، وأُدير أذني عن زعيقه الـمحمّل بالبذاءات.

II

اسـمي برهان، عمري خـمسٌ وأربعون سنة، منفصلٌ عن زوجتي دون أبناء، وذلك نتيجة مرض السكريّ الذي عطّل حياتي بـما فيها الاتصال الزوجي، وعُسرٍ عن شراء الدواء والـمقوّيات بسبب ضيق اليد وغلاء الـمنتج.

رفيقي ميمون (38سنة) عائل لأسرة من أبوين مُقعدين، وأختين إحداهما نَكّلَ بـها مرض الصَرَع وأتلف حياتـها، وهو أعجز من أن يوفّر لـهم حياةً أقلَّ من الفقيرة، وأيضاً: مغفور (53سنة)، إلياس (47سنة)، نضال (50سنة)، مَعْن (52سنة)، عابد (44سنة)، بنيامين (39سنة)، كريـم (41سنة)، عبد السلام (49سنة)، سعد الدين (42سنة)، ربيع (40سنة)، حيّان (37سنة).

أثبتوا علينا نـحن الثلاثة عشر براهين القضيّة دون اتّباعٍ سليمٍ لـخيوطها، فدفعونا في سجنٍ أنتن من الـحظائر والزرائب مع جـماعةٍ من الـمساجين والـموقوفين، والذين نُفّذَ في بعضهم الإعدام ليلتها، والبعض الآخر نُقِلوا إلى سجنٍ آخر ظهيرة اليوم التالي.

سجنٌ رفيع السقف، يدلف منه ماءٌ ملوّثٌ ألـحق الرطوبة بأرضيته الـمسوّاة من الإسـمنت والـحديد العريض، مع كلّ قطرة تقطر أنّةٌ ملتهبة من صدور الرفاق، وتتشعّب في أضلاعنا كلّ مصيبة، نـجلس متقابلين كرهبانٍ مُسنّين: حدبات ظهورنا من وقع الوَجَع، وسُحُبُ الـمخاط الـمنحدر فوق شفاهنا، وظهور أيدينا التي لا تفارق أعيننا، ما كان ينقصنا غير عِصيٍّ وقلنسوات سوداء، ونكون صالـحين لأن نتبوّأ الـمكانة الأرذل في الـحياة. على باب السجن لافتةٌ صغيرة:

«رفقاً بالسجناء فهم آدميون»

ضوء مصباحٍ يُنيرُ نصف وجهي، مُرخياً سـمعي للريح تـهدهد في الـخارج، وقعُ أقدام الـجند الـمهيبة تُشعرنا وكأنّـها تدفع الـموت بسرعة إلينا، صوت انزلاق الـمفتاح الأسود ذي السنّين الطويلتين في ترباس الباب يبثُّ الرعب تـحت جلودنا الـمتّسخة.

دخل جنديان: الأول قصيرٌ بدين، حليق الشاربين كثيف الذقن، صغير الأنف والعينين، بيمينه سلسلة تنتهي آخر حلقاتـها بـحلقة كبيرة أُديرت حول عنق كلبٍ أسودٍ كثّ الشعر، أحـمر العينين، طويل النابين، مُتدلّي اللسان الشديد الـحُمرة، وقعُ لُعابه على الأرض أشبه بصوت بيضٍ يتكسّر، يدور بسرعة بين قدمَي الـجندي؛ بينما الـجنديّ الثاني جسيم مربّع الوجه، أسـمر البشرة، واسع الفم، عيناه جاحظتان، ينادي الكلب:

ــــ هه هه يا سريح، هه هه سريح.

تزيد سرعة الكلب من بين أرجلهم، وخبط قوائمه ينبئ بأجلٍ يقترب. نظرا إلينا ليقول الـجندي الطويل هازئاً:

ــــ أتـحبّون الـحياة؟

أتبعه صاحبه بضحكةٍ ارتدّ صداها عن سقف السجن الـمليء بـخرائط الـماء الـملوّث، ثـمّ أمرانا بالوقوف دون حراكٍ جـميعاً كالأحجار… مغفور كان السجين الأول الواقف في رأس الطابور. أطلق الـجنديّ السلسلة من يده ليهجم الكلب وَلُعابه يَـخْلُفه خيطٌ طويلٌ متعرّج على حوافه قِطعٌ بيضاء صغيرة، تـجاوز مغفور ودفعني من بطني لأسقط على ظهري، وأخذ يدفعني بـمنخريه الواسعين ولعابه يُلطّخ وجهي وأكتافي، أسـمع أصوات رفاقي استغاثاتٍ لا تنقطع، انتظرت أن يعضّني عضّة الفناء لأستريح من الـمكوث في هذا السجن الصندوق، لكنه تركني فجأةً أتـخبّط في بِرْكة لعابه، واتـجه نـحو ربيع وعضّه في ساقه عضّةً جارحة، وأخذ يـجرّه منها حتّى ارتطم بالزاوية ذات الأسـمنت الـمتكسّر، التي ينام فيها ربيع متكوّراً كالعجوز، صراخه باعثٌ على الشفقة بشكلٍ مبكٍ، وهو يضغط ساقه من حرارة الأنياب وألـم الـجروح.

ضَحِكُ الـجنديين بالكاد يُسمع من قرقرة بلعوم الكلب الصاخبة. أفلت ربيع ساقه من فكّه، ليستدير نـحو الباقين الـمتراصّين كالـخراف، عظامهم تركل بعضها من الـخوف. اندفع إليهم ليصطدم بـميمون صدمةً قذفته إلى السقف وأعادته إلى الأرض بـجرحين شديدين، الأول في فخذه اليمنى، والثاني في ذراعه اليسرى، ليجثم عليه وكأنّه ثورٌ إسبانيّ داكّاً عظامه بثقله، ومنخراه يضغطان على رأسه من جهة أذنه اليمنى.

تفرّق البقيّة في السجن كالقطط الـمطاردة في صندوقٍ كرتونيّ. رفع الكلب رأسه مُـخلّفاً زبداً من لُعابه تسرّب فوق عنق ورأس ميمون منحدراً إلى الأرض، وراح يطرح البقيّة واحداً واحداً، داعكاً الأعناق بـمنخريه وَدَفْق لُعابه.

أنين ربيع يعلو ويـخفت حتّى غدا مُتقطّعاً مُنبئاً عن غيبوبته. وقبل الصباح أضجعاني وأطفأا بين عينيّ سيجارتين بيضاوين لـهما جـمرتان قابستان، وصوت ضحكهما يلتحم بصراخي من ألـم الكَيّ… وكذلك فعلوا بالباقين.

III

شيءٌ من ألـمي غسلَهُ الضوء الشحيح الـمتّصل بعينَيّ من نافذة السجن الصغيرة، دعكت بأصابعي الـمُتّسخة أسفل عينَيّ، فتداعى إليّ أنين ربيع وهو يضغط على أعلى ساقه ليُهدّئ ألـم العضّة التي ألـحقت بـها تسعة جروحٍ غائرة ليلة البارحة. أشفقت عليه كثيراً وهو يركل الأرض بكعبه الأيـمن ويصرخ ألـماً.

رائحةٌ كريهةٌ جداً شـممتها حول عنقي وكتفي، لُعاب الكلب قد أصبح أكثر التصاقاً بـجلدي، وكأنّه منه وَفِيه. اتّكأت على مرفقَيَّ وبالكاد جلست، آلامٌ فظيعة تربض على عظام ظهري وفقرات عنقي، وإحساسٌ مؤلمٌ بالوخز يركض تـحت جلدي.

على الأرض بقايا اللعاب ما برحت رطبة، وبعض خيوطه الصغيرة تمكّن منها الـجفاف. رفعت ثقل أجفاني فرأيت رفاقي كالـجذوع المسنّدة على الطين؛ أجسادٌ أوهنها الخوف. ناديت بصوتٍ جافٍّ مرتعد:

ــــ ربيع!

لـم يـجب، فما هو إلا قطعةٌ استحالت صراخاً يعلو ويـخفت، وعَظمةٌ تركل كلّ صلبٍ حولـها. انبثق الضوء أكثر في الـمكان، فصحا الرفاق على خيوطه الدقيقة وهي تـحكّ أجفانـهم الـمتهدّلة. نظر ميمون إليّ: يداه مـجعّدتان سـمراوان عليهما آثار ضرب، وجروحٌ صغيرة على رؤوس أصابعه، وخدوشٌ على وجهه وخاصةً على خدّه الأيـمن، ومشرومٌ أعلى شفته، آثارُ دمٍ على جبهته وقِطَع لعاب الكلب تلوّث عنقه وصدره. ناداني بلكنةٍ يُتخمها القنوط:

ــــ أين الـموت؟!

ابتسمت بشفتين يابستين فيهما انسلاخٌ جافّ، وأجبت:

ــــ ليس ببعيد.

بلعتُ ريقي الـمرّ وأردفت:

ــــ دعنا ننتظر.

اقتفت إجابتي صرخة ربيع التي أنبأتنا أنـها أطفأت آخر جذوةٍ للحياة فيه، فتقاذف الـجميع النظرات الـمتأسّفة وأحنوا رؤوسهم.

IV

دَنَت الظلمة من الأرض، ونـحن في ظلمتنا الـمستمرّة. جثّة ربيع يبست وانكمشت أطرافها، عيناه نصف مغمضتين، ومـخاطٌ يقف على منخره الأيـمن مُتصلٌ بـخيطٍ من الدم كان قد نطّ من شفته قبل موته. أرتـجفُ من البرد واهتزاز رأسي وجذعي مضحكٌ مبكٍ، وميمون لا يعرف من الـحديث إليّ غير:

ــــ أين الـموت؟

طمأنته بإجابةٍ غير مُتحمّسة:

ــــ سنموت يا ميمون اطمئن ما عدنا بعيدين عنه.

ضغطتُ على نفسي ناهضاً بتثاقل، وكأنني عجوزٌ يـجرّ قفاه عشرات العقود، نطقتُ بلسانٍ أعوج:

ــــ ربيع… ما طعم الـموت الآن؟

شعرت وأنا أرى بياض أهدابه وكأنّه يـجيب:

«أَحَنّ مـمّا أنتم فيه».

التهب صوته في سـمعي وكأنّه لـم يـمت:

«أَحَنّ مـمّا أنتم فيه».

ليجذب ألـمي أكثر سؤال ميمون:

ــــ أين الـموت؟

يعيدها، لكن الـموت لا يـجيء، فاحتْ من جثّة ربيع رائحةٌ خانقة، عَفَنٌ يَـخنق المكان، فدفعت وجهي في سياج الباب منادياً:

ــــ يا جندي، يا جندي.

لـم أسـمع غير قطرات الماء التي تسقط من سقف الـممرّ الفاصل بين السجون، لا أثر لوقع أقدام، صمتٌ يـخالط رائحة الـجثّة وينطق بالـموت الذي لا يـجيء:

ـــ أين الـموت؟

ردّدها ميمون فصحت به:

ـــ ألا تكفّ عن مناداته… هو لن يـجيء قبل أن يُشبعونا عذاباً…

البرد يزحف أكثر في الـمكان، وقطرات الـماء أحدثت نَقعاً حَامَ حوله البعوض وتكاثر. التقطتُ الـجثّة من القدمين وسحبتها نـحو الباب، وميمون ينظر إليّ بـحزن، ثـم صرخت بالـممرّ:

ــــ يا جندي، يا جندي.

فسمعت ربيعاً من وراء الـموت يقول: «الـموت حنووون»، لـحظات حتّى سـمعت صوت أقفال ومفاتيح تُـخشخش في الـممرّ، تباريها أقدامٌ تـمشي على أقلّ من مهلها، وصوت مضغٍ مزعجٍ ينطلق من شفةٍ يـملأُها اللعاب. جذبت صوتي من عمقي منادياً:

ــــ يا ا ا ا ا ا ا جندي.

ضاع صوتي في طول الـممرّ وعرضه، لكنه وصل إليه، حيث تسارعت خطوات الأقدام وازدادت خشخشة الـمفاتيح والأقفال، وكلّما اقتربت زاد تسارع الـخطوات وتضاعفت الـخشخشة، حتّى فاجأني بوجهه الكبير الـمربّع يضغط على وجهي الصغير الـمطلّ من بين السياج سائلاً بغضب:

ــــ ما بك؟

أبعدتُ وجهي عن أنفاس فمه الكريهة التي تَبِعَت سؤاله، مشيراً إلى الـجثّة بصوت مُتقطّع:

ــــ ر ر بـ بـ يع… مات!

وبـهدوء أخذ يُدير الـمفاتيح في يديه باحثاً عن مفتاح الباب، وبأقلّ من الاهتمام أولـج المفتاح ودخل ليرتّد الباب عن كتف الـجثّة. دار حوله وهو ينخزه بعصاه منادياً:

ــــ ربيع، ربيع.

قلت له بـحرارة:

ــــ تنادي ميتاً يا هذا؟!

دقّ صدري برأس العصا:

ــــ أغلق فمك.

ثـم سحب جهاز النداء من مـخبئه في جانب بنطاله طالباً:

ــــ ابعثوا لنا بالطبيب.

أطال النظر في المكان وفي السجناء الذين استحالوا حشراتٍ بغيضة، ثـم نـهرني:

ــــ عُد إلى الوراء واجلس كما كنت؛ كالفأر، أَسَمِعت؟

تراجعت خطوات إلى الوراء حتى أوقفني الـحائط المظلم فانزلقت بظهري عليه واستويت القرفصاء. وبعد عشرين دقيقة تقريباً حضر طبيبٌ طويل، حنطي البشرة، واسع العينين، طويل الأنف، يـمشّط شعره إلى الوراء بطريقةٍ ساحرة، وخلفه أربعةٌ من عاملي النظافة. أدار سـمّاعته على صدر الـجثّة وأعادها، ليقول بانزعاج:

ــــ لقد مات من ساعات.

أشار الـجندي لعمّال النظافة بأن يـحملوا الـجثّة، فأحاطوا بـها وأولـجوها في كيسٍ بلاستيكيٍّ سـميك، ورَشّوا مكانـها بالـماء، ومضوا مغلقين الباب خلفهم بقوّة، وصوت الـمفتاح يقرقع في الترباس بسرعة، ثـمّ ابتعدت أصواتـهم وهم يتجاذبون كيف مات.

طيور العتمة، رواية - دار الساقي 2014م
ماجد سليمان، أديب سعودي تنوّع أدبه بين الشعر والقصة والرواية والمسرحية. كُتب حول أعماله عدد من الأطروحات العلمية والدراسات النقدية في جامعات محلية وعربية وعالمية، وتُرجِمَت بعض نصوصه إلى لغات منها البوسنية والأوردية. صدر له حتى الآن 5 روايات، و4 مسرحيات، و4 أعمال شعرية، و3 كتب في الـمُنتخبات، و4 مجموعات قصصية، وكتاب واحد في الـمقالات، عبر مسيرة أدبية امتدّت لـ«28» عاماً حتى الآن.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.