النبوة والرقص في ديوان مزدحم بالفراغ
إن عنوان الديوان (مزدحمٌ بالفراغ) للشاعر السعودي علي مكي الشيخ، يبقى معلّقًا بين دلالتين: فهو سلبي من حيث إيهامه بهشاشة المعنى أو انكسار الامتلاء الشعري، وإيجابي من حيث كونه مفارقة جمالية تتناغم مع ثنائيات الديوان وتوتراته الداخلية وهذا التوتر بين الإيحاءين يلخّص طبيعة التجربة الشعرية نفسها، القائمة على جدل الامتلاء والفراغ، والحضور والغياب.
يشكّل الديوان فضاءً شعريًا مشحونًا بثنائية فريدة تتردد في معظم قصائده: النبوة والرقص. فالنص الغزلي عنده لا يكتفي بتمثيل العاطفة في صورتها البسيطة، بل يتجه إلى فضاء صوفي تتقاطع فيه القداسة بالغواية، والطهر بالنشوة، فيغدو الغزل بحثًا عن المطلق عبر الجسد والروح معًا.
منذ البدء يعرّف الشاعر الأنبياء والرقص تعريفًا شعريًا، يضعهما في مقامين متوازيين:
“والأنبياءُ
بياضُ صمتٍ عابثٍ
باللازمانِ كنشوةِ المُتمرِّدِ”
“والرقصُ
أسئلةُ الملامحِ .. كُلِّها
مُذْ أَرَّختْ للشعرِ برقةُ ثهمدِ”
فالنبوة صمتٌ متمرّد يعلو على الزمان، والرقص علامات جسدية تسجّل تاريخها على إيقاع الشعر. هنا تتأسس التوأمة: النبي بوصفه رمزًا للقداسة والجرح، والرقص بوصفه رمزًا للغواية والهوى.
ويكثّف الشاعر حضوره داخل النصوص عبر تقمّص الأنبياء:
“وقرأتُني
للأنبياءِ فصدَّقوا
أنَّي نبيٌّ.. مثلُهُم واستسلموا
ورأيتُهمْ
ظلِّي.. فجاؤوا كلُّهم
يبكون هل كُنَّا معًا نتوهَّمُ”
في هذا المقطع يتماهى الصوت الشعري مع صوت الأنبياء، يتقمصهم ويجعلهم ظلّه، في نوع من الانخطاف الشعري. وهو ما يتأكد حين يوزع ذاته على شخصيات أنبياء مختلفين:
“أنا موسى..
وأبحثُ عن جمالِكْ
وأَعبرُ طُورَ سحريَ من خِلالِكْ
أنا عيسى..
بمهدِكِ.. كلَّميني
وهزيني لأسقُطَ في جمالِكْ
أنا يعقوبُ..
ريحُكِ لي نَجاةٌ
وقد أشعلتُ رأَسي.. من دِلالِكْ”
هنا النبوة ليست مقامًا بعيدًا عن الغزل، بل تدخل في صميمه: موسى يمر عبر الطور بحثًا عن الجمال، وعيسى يتكلم في مهد العاطفة، ويعقوب يجد نجاته في ريح الحبيبة.
لكن مقابل هذا الحضور النبوي، يظل الرقص حاضرًا بصفته غواية، خطيئة، ولحظة انخطاف، كما في قوله:
“خُلِقتْ أنوثتُها كما شاء الهوى
فلكلِّ آدمَ فتنةٌ حواءُ
رقصتْ
خطيئتُها على استغفارِها
وبثغرِها.. تُستغفَرُ الأخطاءُ”
في هذا المشهد يتجسد الرقص في جسد حواء، حيث الخطيئة ترقص على الاستغفار، في مفارقة تجمع القدسي بالدنيوي.
وفي نص آخر يمتزج الضحك بالغواية بالنبوة، ليصبح النص فضاءً إيقاعيًا صوفيًا:
“هي تدري ماذا يريدُ الصباحُ
ضحكةُ الوردِ رقصةٌ وانشراحُ
هزَّتِ القلبَ..
فاستفاقَ.. نبيٌّ
حين قالتْ: بعضُ الغرامِ اقتراحُ
رقصَ الظِّلُ
حين قالت إليه:
أنتَ تدري ما يفعلُ التُّفاحُ”
الرقص هنا لغة الطبيعة والأنوثة، بينما النبي يتجلى في لحظة الانخطاف، في انبعاث القلب من سباته.
ويتعمق الشاعر أكثر في بناء هذه التوأمة حين يجعل الغواية فعلًا صوفيًا:
“أسقي الربَّ خمركِ
مستعيرًا هواكِ
هواكِ معجزةُ الغناءِ
هنا الشوقُ المراوغُ كالمرايا
يُرمِمُنا كلوحةِ أنبياءِ
تعالي نمزجُ الكلماتِ حتى
يقالُ لنا: هما حقاً ثنائي”
هنا يعلن الشاعر صراحة أن النص نفسه هو هذا الثنائي: الأنبياء والرقص، القداسة والمعصية، في لوحة واحدة لا تنفصل ألوانها.
حتى عندما يتحدث عن الإيقاع والهوى، يظل يربطهما بالمقدس:
“على شفتيَّ إيقاعٌ شهيٌّ
يُعتِّقُهُ الغناءُ هوىً وإرثا
عن الرِّقصاتِ أنحتُ في فراغي
وأدعَكُ قُبلتي لأكونَ غَيثا
كَتبتُكِ فوقَ صهوةِ مُعجزاتي
فكلُّ قصائدي في الحُبِّ أُنثى”
وفي لحظة أخرى، يمتزج الموت بالحياة، النبي بالرقص:
“أموتُ قليلاً
لكي أرتدي نبيًّا
يُرمِمُ طعمَ الجِراحْ
سأمضي إلى ذكرياتِ الهوى
وألتَذُّ شوقاً لذاكَ الوِشاحْ
سيقترحُ الرَّقصُ إيقاعَنا
وأجملُ ما في الغرامِ افتراحْ”
الموت هنا عبور إلى النبوة، بينما الرقص هو إيقاع الغرام المفتوح على النشوة.
من خلال هذا التتبع يتضح أن ديوان مزدحمًا بالفراغ يقوم على توأمة فنية بين النبوة والرقص. النبوة ليست مقامًا بعيدًا ولا وعظًا دينيًا، بل قناع شعري للتطهر والجرح، والرقص ليس مجرد لذة جسدية بل استعارة للغواية والانخطاف الصوفي. وبين الاثنين، يتشكل الغزل عند علي مكي الشيخ كقصيدة صوفية حديثة، مزدحمة بالفراغ، ممتلئة بالتوتر بين الطهر والغواية.
