العمر والزمن والحرية في السينما المعاصرة

ورشة فن - سينما

0 1٬239

- Advertisement -

المعروفي سفيان – المغرب

ما الذي يجعل الإنسان يبيع عمره مقابل المال أو القليل من الأمان؟ لماذا تتحول كل لحظة من حياة الإنسان إلى سلعة تباع وتشترى في سوق تسيطر عليها قوة المال والسلطة؟ جل هذه التساؤلات نجد لها  صدى مباشرة في السينما المعاصرة، حيث الزمن لا يمثُل كإطار للأحداث، بل يمثُل كعنصر فاعل فيه، يحدد مصائر الشخصيات ويكشف صراعاتها الداخلية والخارجية، فهو يتحول إلى سلعة تحدد مصير البشر وتتحكم فيه، وهو ما ينكشف بشكل واضح في فيلمي In Time وParadise، حيث تتحول حياة البشر إلى تجارة، ويصبح الوقت سلعة تباع وتشترى، وفي خضم هذا الصراع تُختبر حرية الإنسان وأخلاقياته في مواجهة القيود الاقتصادية والاجتماعية.

 رغم اختلاف السياق والمخرجين، إلا أنهما فيلمين يشتركان في تيمة واحدة، هي تيمة تسليع الزمن وجعله سلعة تباع وتشترى، سلعة يستفيد منها الأغنياء ويحرم منها الفقراء.

يعرض الفيلمان (2011)In Time و (2023) Paradise صورة صارخة للكيفية التي يُستغل فيها الإنسان من طرف الرأسمالية وكيف أن الزمن نفسه سارة سلعة, إنهما فيلمان لا يقدمان قصصًا خيالية فقط، بل يقدمان قراءة فلسفية ونقدية عميقة لعلاقة الإنسان بالزمن، وعلاقته بالحرية، والعدالة الاجتماعية أيضا.

في In Time، يتحكم الزمن حرفيًا في حياة البشر، كل شخص يولد بعداد رقمي يحدد عمره المتبقي، الأغنياء يمتلكون سنوات بلا حدود، بينما الفقراء يقايضون حياتهم مقابل البقاء، كل ثانية محسوبة، وكل لحظة هي معركة للبقاء، إنها رؤية تعكس بشكل صارخ الضغوط الاجتماعية والاقتصادية في الواقع المعاصر و في عالمنا اليوم، كثير من الناس يبيعون وقتهم وجهدهم مقابل المال، ويعيشون حياة محدودة الفرص، بينما القلة القادرة تتحكم في الموارد والفرص بحرية أكبر.

الرمزية البصرية في الفيلم لا تقل قوة عن الفكرة نفسها، البيئات الضيقة والمظلمة للفقراء تعكس القيود المادية والمعيشية، مقابل المساحات الواسعة والمضيئة للأغنياء، مما يجعل الزمن نفسه أداة للتمييز الطبقي، الإيقاع المتسارع، الموسيقى المشحونة بالتوتر، تعكس الضغط النفسي المستمر، وتجعل المشاهد يعيش تجربة الحرمان، القهر، والصراع للبقاء كما يعيشها الفقراء في الواقع.

في المقابل، يقدم Paradise  قصة عن المستقبل الذي يهيمن فيه الزمن على كل شيء، حيث تضطر Elena لدفع 40 سنة من عمرها لسداد دين، وهو ما يحرمها وزوجها الموظف في شركة AEON من عيش مستقبل مشترك، وهو ما يدفع الزوج أيضا إلى محاولة إسترجاع السنوات التي انتزعت من زوجته،  إنها قصة فلسفية عن الزمن، الشخصيات تُجبر على بيع أعمارها، لكنها تواجه صراعا أخلاقيًا عميقًا، وهو التضحية بحياتها أو حياة الآخرين مقابل المال أو البقاء، الزمن هنا ليس مجرد عداد يحدد المصير، بل تجربة نفسية وأخلاقية تكشف الصراع الداخلي للشخصيات، وكيف تتشكل القرارات تحت ضغط الظلم أو الحاجة، المونتاج البطيء الضوء والظل، والموسيقى المتأنية، تجعل المشاهد يشارك الشخصيات تجربة التوتر النفسي، وتجربة الخوف، والألم الداخلي وهذا هو الذي يعكس ضغوط الحياة الواقعية والقرارات الصعبة، والمعارك اليومية التي نخوضها جميعًا للبقاء أو التقدم.

إن هذا العالم الخيالي ليس بعيدا عن واقعنا الحالي، ففي المجتمعات المعاصرة، كثيرون يبيعون أعمارهم بأجور زهيدة، يعملون ساعات طويلة بلا راحة، يضحون بأحلامهم وصحتهم، وفي أحيان كثيرة بالعلاقات الإنسانية مقابل لقمة العيش، بينما الأغنياء والأقوياء، كما هو واضح في الفيلم يعيشون بلا حدود وفي المقابل يبقى الفقراء والمهمشون في مراقبة دائمة لعقارب الساعة وهي تسرق منهم أجمل لحظات حياتهم، إنه تجسيد حي ومباشر لفكرة الرأسمالية المطلقة حيث كل شئ قابل للتسعير حتى العمر، وهنا يمكن أن نطرح  تساؤلات إشكالية، إلى أي حد يمكن للرأسمالية أن تتحكم في جوهر الإنسان ودواخله؟ هل العمر ملكنا، أم أنه مجرد سلعة تباع وتشترى في سوق الآخرين؟ أم أن الوقت لا ثمن له، وأن حياة الإنسان أعمق من أي حسابات في سوق البشرية؟

في الفيلمين معا يتحول الزمن إلى سلعة، لكن مع كل فيلم يبرز بعد  مختلف، ففي فيلم In Time يركز على الزمن كأداة للسيطرة الاقتصادية والاجتماعية، ويكشف عن الفوارق الطبقية، ويطرح تساؤلات عن العدالة والمساواة، أما فيلم Paradise يركز على الزمن كأداة تجريبية للأخلاق والوعي الذاتي، ويظهر كيف أن الضغوط الاقتصادية تجبر الإنسان على مواجهة نفسه وأخلاقه.

يعيش الإنسان المعاصر كل لحظة وكأنها معركة بين ما يريده وبين ما تفرضه عليه الظروف، فكثير من الناس اليوم يبيعون وقتهم وجهدهم لأجل المال، ويخضعون لنظام اقتصادي واجتماعي يفرض عليهم قيودًا مستمرة، كما هو الحال في In Time. وفي الوقت نفسه، يواجه الإنسان صراعات داخلية، بين اختيار المال أو العمل أو القرارات السريعة التي تصب في مصلحته على حساب حياته أو حياة الآخرين، كما في Paradise، وهو ما يعكس معركة الإنسان اليومية مع الزمن والمال والقيم الأخلاقية في مجتمع معاصر يقدر كل شيء بالوقت والمال.

يكشف كل من In Time وParadise أن الزمن ليس مجرد إطار يمر به الإنسان، بل أداة تحدد قيمة وجوده، وتجربة تختبر حريته وأخلاقه ومعنى حياته. كل ثانية من العمر تصبح فرصة ومحنة في آن واحد، وكل قرار صغير أو كبير يحمل تبعات على الذات والآخرين، الإنسان في هذا العالم المعاصر، كما في هذين الفيلمين، يعيش في صراع مستمر بين ما يفرضه عليه الزمن من قيود وما تمنحه له إرادته من حرية، بين الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وبين الحاجة إلى المحافظة على إنسانيته وكرامته، الحياة هنا ليست مجرد مرور للوقت، بل رحلة فلسفية مستمرة لفهم الذات، ومواجهة القهر، واكتشاف القيمة الحقيقية لكل لحظة من عمرنا.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.