خفق الخوافي في ديوان رابعة الأثافي

0 10

- Advertisement -

نورالدين حنيف – المغرب

 

  • توطئة لابدّ منها:

(رابعةُ الأثافي) ديوانٌ يعومُ انثيالُه الإبداعيّ داخل مساحةٍ تجنيسيّةٍ إشكاليّةٍ واسعةِ النظر و التنظير و التظهير. و هي مساحةُ قصيدةِ النثر الحداثية الّتي تسعى دائبةً إلى توطينِ ذاتِها خارجَ جدالِ التبعية الشِّعرية الفارِضةِ بعضَ الوصايةِ أو كلّ الوصايةِ على القول الشّعري.

ونحن في هذا السياقِ، سياق مقاربة ديوان (رابعة الأثافي) لا نخوضُ في إشكالية التعريف و التحديد و الماهية، و إشكالية الاختلاف بين رفضِ قصيدة النثر أو قبولها، فهذا بابٌ طُبِخَ درسًا و تمحيصا، و لا نفعَ في زوبَعَتِه الآن…  ومع ذلك سنسطّر في هذا الشأن ما يخدم اتّجاه المقاربة في تحليل متنِ الديوان الشعري بهدف الإضاءة لا بهدف المناظرة.

وقصيدة النثر في (رابعة الأثافي) ترقى بالنوعِ النّثري إلى مراقي الشعر وتسمو به إلى سديمه، في تميّزٍ بائنٍ بينونةً كبرى يدرك معه القارئُ تميّزَ الصوغِ الشعريّ البعيد كل البعدِ عن شعر التفعيلة و قصيدة النثر في بدايات تجلّيها. بمعنى أن (رابعة الأثافي) تصنع لذاتِها انخراطًا فنيًّا مسؤولًا يقول بالماهية في حريةِ الإبداع و خصوصيته.

إننا نظلم قصيدة النثر الحداثية عندما نُحاكِمُها من داخل التراث، إنها بحكم تعلّقها بالنثر تفرض علينا قراءتها داخل هذا المنظور. و هذا في نظرنا المتواضع فيصلٌ نقديٌّ جادٌّ لقراءة قصيدة النثر الحداثية بشكلٍ عام، وقراءة (رابعة الأثافي) بشكل خاص، و قراءة ما جرى مجراها، إنصافًا للنوع وتقريبًا للمفاهيم و تنسيبًا للمخرجات.

  • الديوان:

(رابعةُ الأثافي) إنجازٌ شعريٌّ حداثيٌّ مشتركٌ بين صوتيْنِ متمايزيْنِ على عدّة مستويات:

– مستوى النوع، و فيه يتجلى قول المذكر و قول الأنثى في غير قصديّةٍ أو تخطيط، اللهم سديمُ تجانسٍ روحيٍّ فرض هذا الانثيال الجمالي الوازن.

– مستوى الأرومة… فالديوان منجزٌ شعريٌّ مشتركٌ بين شاعرٍ مغربيٍّ وشاعرة سوريّة. و في هذا التمايز إمكانُ غنىً و ثراءٍ للديوان وللرؤية الشعرية و للرؤيا معا…

و الديوانُ في الأصل بعيدٌ كل البعد عن مفهوم “المُعارضة” كما انطبعتْ في أذهاننا النازحة من التراث و القائمة على التشابه في موضوع القصيدتين وفي وزنهما و قافيتهما و رويّهما… إن الأمر يتعلق بوعيٍ فنيٍّ يرسل فيه الشاعرُ القصيدة و تعطفُ عليه الشاعرةُ بقصيدة أخرى بتواصلٍ فنيٍّ يرومُ نسج الجمالِ في ثوبِ الدهشة أكثر من روْمِهِ خلق تناظرٍ أو تعارضٍ أو تجانس بين القصيدة الفاعلة و بين القصيدة المنفعلة…

و الأمر في هذا النزوع الشعري لا يتعلّق بالمحاكاة بتاتًا، ذاك أن المعارضة في التراث ترتبط أساسًا بالشكل، فيما هي في القصيدة النثرية الحداثية لا تتسمّى بهذا الاسم أوّلًا ، وتتجلى في لبوسات تختلف من قصيدة إلى أخرى ثانيا… إنها تنأى بذاتِها عن فكرة الغرضِ الشعري، و تتعلق أساسًا بالرؤيا والكشف والمحاورة.

  • في الاحتراز المنهجي:

أول الاحترازات المنهجية في هذا المنجز النقدي هو أننا نتعامل لا مع نص واحدٍ متجانسٍ في ذاتِهِ لشاعر واحد، و إنما نتعامل مع عمل شعريٍّ مشترك بين شاعرٍ و شاعرة، يختلفان في كل شيء، و يلتقيان في قصيدة النثر.  وهذا يشي بتوتّر مقولات التجانس بين القطبيْن. أمّا مقولاتُ التشعّب فهي أمر واردٌ جدًّا بل هي شأنٌ قاعِديٌّ باعتبارِها درجة البدءِ في التناول.

فأن نتناول متْنًا شعريًّا حداثيًّا موقّعًا من طرفيْن مختلفيْن في جنس الكينونة وفي نشأةِ الكينونة، و في ملامح أخرى عديدة، معناه أننا نرومُ مغامرةَ أدبيةً تعومُ في مقولة الاختلاف و التمايز و التشعب الذاهِبةِ مذهب الاستشكال المنهجي أكثر منها إلى انسيابيته و تراخيهِ بين أيدينا الشارحة والمُشرّحة. فنحن لا نقضمُ من قطنٍ بقدر ما ننحتُ من صخر أثناءَ قراءتنا لهذا التوقيع الشعري الثنائي المنفلت.

من هنا ضرورة التناول في أفق مراعاة الأسئلة التالية:

– هل المشترك هدمٌ لسلطة الكاتب الواحد؟

– لكل مبدعٍ صوته… فهلِ الصّوتانِ معًا شرطٌ إضافيٌّ للزيادة في النبض والإشراق و الخلق الشّعري؟

– في منهج التناول:

سنحتكم إلى فعل نقدي ثنائيِّ الأبعاد في تصوّرٍ يستدعِي تظافر نتائج أدوات درس العلامة سيميائيًّا، و كذا مخرجات درس التأويل، علمًا أن سياقات التحليل قد تفرِضُ بعض الاتجاهات النقدية الأخرى التي نعضد بها قراءتنا و نستأنِسُ بها في مقاربتنا…

  • تقديم الديوان:

في تجربة شعرية جديدة تجمع خمسَ عشرة قصيدة، للشاعر (عبدالرحمن بوطيب) و مثلُها للشاعرة (روضة الدخيل) في مجموع ثلاثين قصيدة، تؤثّت صفحات الديوان البالغة في مجمله مائة و أربع عشرَة صفحة، من الحجم المتوسّط و الصادر عن منشورات النورس، عام 2026.

تتحاور النصوص الشعرية بالتتابع، في نسقٍ فنيٍّ  يردُّ نصٌّ على نصٍّ آخر من بداية الديوان حتى نهايته. و فيه يبدأ الشاعر (عبدالرحمن بوطيب) بالقول في تيمةٍ محدّدة، ثم تعقبه الشاعرة (روضة الدخيل) بالرّد، و إن شئنا قولًا دقيقًا ومنصفًا نقول: إنها تعقّب بالتفاعل.

و هما في هذا الديدنِ المشترك لا يقولان لمجرد القول الشعري بقدر ما هما يبنيان إمكانَ قصيدة النثر الحداثية داخل وضعٍ تجريبيٍّ عامرٍ باسطيطيقا المغامرة الماتحة جماليتها من تركيب حواريٍّ كيميائيٍّ مدهشٍ يرسم أكثر ممّا يقول، و يشكّل أغزرَ ممّا ينْظِم.

هكذا ينثال الديوان على شكل حوارية شعرية مفتوحة تقضِمُ مادّتها من مجموعة من الموضوعات الشعرية التي تبحث عن الإنسان في قلقه الجمالي عبر ملامسة قضايا الوطن والحب والمكان والزمان والتاريخ …

  • المقاربة

1 – نظام العلاقات:

نعتبر ديوان (رابعة الأثافي) قيمةً مضافةً لقصيدة النثر الحداثية العربية النازحة من معينيْنِ مختلفين متجانسيْن، و نقصد معين النزوح المغربي ثم معين النزوح السوري. و في كلٍّ ثراء، و في كلٍّ خصوصية تعلن عن اختلافها الجغرافي  لتصبّ في تجانس الانتماء الروحي.

 من هنا فالديوان ليس تمريناً يروم الخروج عن سلطة الوزن العربي القديم، بقدر ما هو استبدالٌ فنيٌّ لمفهوم البحر الخليلي بمفهوم الفراغ المرتبط بمقولة البياض والتفضية المرتبطين أيضًا بهندسة النص الشعري حيث تكون المسافات البصرية لا تسطيرًا ناشفًا بقدر ما هي بابٌ لإنتاج عوالم من الرؤيا تعيد تعريف الشعر خارج المعيار. 1

و من ثمة فالشعر انطلاقًا من هذا الديوان هو حدثٌ معرفيٌّ و جماليٌّ تتواطأ فيه اللغة مع الفضاء مع الرؤيا لإنتاج العلاقات الشعرية و الوجودية البعيدة في اجتراح الدلالة المعانقة لسحر الغموض الدلالي الوظيفي المشفّر والحامل ضمنيًّا لبعض المفاتيح لقراءته موضوعيًّا حتى لا يشطّ في دوائر الغموض المتسيّب.

 ينطلق كلّ من الشاعر(ع ب) و الشاعرة (رد) من اعتبار القصيدة عالمًا من العلاقات لا عالما من المفردات المعتقلة داخل صرامة القاموس:

هات ما لديك من المحن

ففي المفردات ألوان

وإن عمي البصر … 2

و هي العلاقات التي لا تعيد نظام العالم القائم و لا وصفه و توصيفه. إنها العلاقات التي تقيم في اللغة المتجلية لا اللغة الآلة. و التجلي هنا ليس بيانًا فحسب و إنما وأيضًا هو انثيالٌ من القصيد في القصيد و في الماحول بقدرة جمالية قادرة على إحداث الرجفة في الوعي، لا الاكتفاء بالدغدغة المجانية لوجدان المتلقي العربي و غير العربي. و لعل أقرب ما يصدّق دعوانا هاته قول الباحث عبدالعزيز المقالح (تتمثل قصيدة النثر كإبداع في علاقتها بفكرة إنسانية يعيشها إنسان. إنها فعلٌ اختراقيٌّ في الجوهراني من العناصر لا فعلُ لعبٍ بالشكلاني). 3

و العلاقات في الديوان متعددة الوجوه و حمّالة لكثير من الدلالات، ولا نقصد بها ما هو مستهلك كعلاقة الذات بالماحول، و إنما نقصد المكونات والعناصر المؤسسة للُحمة الديوان كاللغة و الرمز و الإيقاع والأسطورة وما جرى في هذا التكوين الشعري الحداثي الموسوم بالاختراق وتكسير المألوف لا الراقد في مقولات الشبه.

2 –   اشتغال رابعة الأثافي:

كيف يشتغل الديوان في داخله؟ وكيف تتجانس مكوناته اللغوية والرمزية والإيقاعية والأسطورية المتشعّبة في بناء الأثرالجمالي؟

ليس ديوان (رابعة الأثافي) هيكلًا نظرياً جافًّا و صارِمًا و بارِدا… بل هو كينونة حيّة تنبض خلاياها بالمعنى النازح من جوانية المبدع (ع ب) والمبدعة (ر د)، و هو المعنى الذي لا يفرض على المتلقي سلطة التأويل بقدر ما يفتح أمامه فائض المعنى وفيض المعنى بدل المعنى الأوحد الذي يمسك بأزمّة التأويل في صورة التلقي المشوّه.

من هنا فالملفوظ اللسني في (رابعة الأثافي) يصبح علامةً لا تحيل إلى الشيء مباشرة، وإنما تحيلُ  إلى سلسلةٍ لا تنتهي من التأويلات. وفي هذا الأفق السيميائي، تغدو قصيدة النثر شبكةً من العلامات المتداخلة، لا يُقرأ فيها الرمز منفرداً و معزولا عن سياقاته الممكنة، ولا الصورة مستقلة نازلة من مجال معرفي متعالٍ،  ولا الأسطورة بوصفها زينةً ثقافية أو زخرفًا يستجدي التاريخ، بل باعتبارها وحداتٍ عضويةً تدخل في صميم الإبداع الشعري و تشترك جميعها في إنتاج المعنى و فائض المعنى المتجه نحو ممكنات التأويل.

أنظر كيف وظّف الديوان شخصية عنترة بن شداد:

خذْ من حروفك رحيل كُحلِيّ ابن زبيبة

خذ تيه ضليل

لا وقوف

لا بكاء

لا رسوم

لا أثاف… 4

فعنترة يسكن في الذات المتكلمة و يسكن في وجدان المتلقي. و كذا يسكن فيهما السموأل وعروة بين الورد و غيرهما من العلامات الأسطورية الموظّفة بذكاء حداثي في الديوان، حيث لا مسافة بين الحاضر و التاريخ. وحيث لا مسافة بين إفراد عنترة كالبعير المعبّد و بين الذات المتكلمة المبعدَة من سياقاتها الثقافية. التجربة الأسطورية تتكرر هناك و هنا، بحيث تفقد معناها إذا حاصرها المتلقي في اعتبارها ظلًّا تاريخيا يهب الديوانَ بعض الحكمة أو بعض الحضور…

ثم تعطف الشاعرة (ر د) على هذا الانزياح الأسطوري بلغة تقترب من التجلّي النقدي أكثر منها إلى البلاغي. قالت:

انتق ما طاب لك

من أساطير الحكايا

في الوغى نحن الصهيل

و (نحن أبناء يعرب)

نقارع الرمال و الغبار…5

و في هذا التوظيف تردم الشاعرة (ر د) المسافة بين الحاضر حيث مقارعة الرمال و الغبار، و بين التاريخ حيث الصهيل. ونكاد نشتمّ في شجبِها الارتماء في أحضان الأسطورة بحثًا عن حلٍّ حضايٍّ لأزمة الراهن بعض السخرية المُمضّة و الواخزة و المعلنة أن الأفقيْنِ معًا، الماضي و الحاضر، الأسطورة والراهن هما أفقان يعجّان بالخواء و الصهيل، و ينطقان فقط بالخيبة و الأحلام المفلسة… للاستزادة أنظر الصفحة 27 من الديوان.

و الخلاصة أن الديوان  لا يستدعي بوسيدون أو نيرون أو عنترة أو أدونيس  ليزخرف ذاته الإبداعية بأسماءٍ عامرة بالرّنين التاريخي، وإنما ليستثمر الشحنات الرمزية الكامنة فيها، بإعادة تشكيلها داخل سياقٍ جديد ومختلف، تصبح فيه الأسطورة لغةً ثانيةً تنوب عن اللغة الآلة في التعبير و البيان وصناعة الإدهاش…

3 –  الصورة في رابعة الأثافي:

يستدرج الديوانُ المعنى استدراجًا ذكيًّا و هو يمنحه مساحاتٍ واسعةً من التوتّر بين أطراف ثنائية أذكى، تعجن الحضور في الغياب، والإفصاح في الكتمان، والقول في الصمت. و في هذا الاستدراج الفني تنمو اللغة في الظل بمفهومه الوارف أكثر مما تنمو في الضوء… و ينعكس هذا الخيار الإبداعي بالتالي على مناطق الصورة الشعرية التي لا تقوم على تسجيل الواقع و نقلِ اشيائه كما هي،  بقدر ما تقوم على إعادة خلق هذا الواقع لينمو كيانًا أدبيًّا داخل المخيلة. بل يتناسل شأن هذه الصورة  ولادةً جديدةً في كلّ لحظة قراءةٍ يمارسُها القارئ، سواء أكان قارئًا ذاتيًّا أم خارجيًّا أم ضمنيًّا. و في هذا التناسل الإبداعي تتحول الصورة من محسّن بلاغي إلى أداة معرفية منبثقة تنثالُ منها و فيها موجوداتٌ لغويةٌ نازحةٌ من الطبقات الخفية من هذا الّذي نسمّيه “الوعي”…

و لنضرب لذلك أمثلة من الديوان، تمثيلًا لا حصرا… فهي التي أملتْ علينا هذا التخريج النظري:

قال الشاعر (ع ب):

فجرٌ تنحّى عن طريق

هو الليل ليل لا يرحل يا رفيق

عوتْ ذئاب

تشظّت قوافٍ جريحة

زفرَ نظمٌ شهقةَ غيابٍ في غاب – 6

قالت الشاعرة (ر د):

صقيعٌ

يجتاح تضاريس الروح

تتصلّب في لساني

صرخة البوح

و في بحيرة الفكر يموج

نوحٌ و هذيان – 7

يبني الديوان في كلٍّ من حالة الشاعر (ع ب) و الشاعرة (ر د) الصورة الشعرية بشكلٍ لا يعيق هذه الطفرة الممكنة في انثيال النفس خارج نسق الانغلاق. أي أن هذه النفس تشتغل دائما في الداخل عبر مقولة التخيّل لبناء صورة شعرية تتمثل أساسًا في إعطاء العالم شكله الجديد… فمخيالُ الشاعر (ع ب) يمسك بمقولة (الفجر) يفرغُها من تمثلات المتلقي المرتبطة بالزمن، ثم يحشرها في سديم الكينونة المتشيّئة عبر فعلِ (تنحّى). و هو فعلٌ على بساطته نجده قد مكَرَ بالصورة أيّما مكر، و هو يحوّل مجرى التخييل من سحر البيان إلى قوةِ البرهان. و من ثمّة تكون الصورة إعادةً جماليةً لشكل العالم حيث الفجر كائنٌ يتنحّى و الليل يمارس فعل الرحيل، و القوافي جريحة، و النظمُ يرسل الشهقة في الغياب،و الغياب سديم مقروءٌ في مساحاتِ الغاب، و الغاب ظلمناه إن وصفناه في قبضة الفضاء… عالمٌ جديدٌ يمتطي مركبة الخيال المنفتحة والمراوغة تنحى بالتأويل منحىً الدلالة الجديدة البانية للقصيدة المدهشة التي وصفها المفكر غاستون باشلار قائلًا ( القصيدة اندهاش بشكل دقيق جدا على مستوى الكلام، داخل الكلام و بواسطة الكلام حيث القصيدة حرّةٌ إزاء ذاتِها تعتمد على قوى اندفاعها الخاص، فتيّة دون توقّف على شاكلة طائر الفينيق، ذاك الطائر الأسطوري المنبثق من رماده الخاص) – 8

في الضفّة الأخرى تكون الصورة الشعرية في قبضة الشاعرة (ر د) نتاجًا لحظيًّا لنفسيتها عند مركز الذات (تتصلّب في لساني) في غير تجرّدٍ عن سياق الماحول (و في بحيرة الفكر يموج نوحٌ و هذيان). هكذا ينبجس المكان (التضاريس – البحيرة) ليتدفقَ مذهلًا في إضاءة روحية لا توقف الانبجاس في حالةِ التصلّب بقدر ما تفتح أمامه إمكان الحركة (يموج) حتى لو تعلّق الأمر بحركة النوح و الهذيان باعتبارهما حالةً بدئيةً من حالات الخروج و الانعتاق. فالنوحُ تعبير و الهذيان تعبير، و كلاهما انسيابٌ يفتّت حالة الفتور و يقرّب المتلقي من عمق الصورة الشعرية و هي تطرق باب المتخيّل الذي يمارسُ تفريغًا للوعي بـ(الصقيع) و درجة قسوته في منظور الشاعرة، و في منظور المتلقي على حدٍّ سواء.

هكذا تأملنا نموذجيْن من الصورة الشعرية وفق نظام نفسي وسيميائي سعيْنا فيه إلى التماهي مع مفهوم الفوضى الخلّاقة لدى كلٍّ من الشاعريْن (ع ب) و ( ر د) كأداة هدم وبناء و تفكيك للقوالب القديمة لبناء  نظام شعريا جديدا يعتمد على حرية التعبير وتدفق الوعي. أنظر مثلا كيف تسامى الشاعر (ع ب) بمقولة الفجر من المقولة المألوفة في تمثلات المتلقي، و أعاد ترتيبها في مخياله الخاص… و انظر أيضًا كيف صاغت الشاعرة (ر د) من الصقيع عالمًا شعريًّا يموج بالحركة.

4 – ظاهرة التناص في رابعة الأثافي:

التناص مصطلحٌ نقديٌّ حديثٌ يقصد به تعالق النصوص و تقاطعها والحوار فيما بينها. و هو في عمق التحليل صلةٌ قائمةٌ بين النص المدروس في قبضتنا و بين نصوص سابقة يستحضرها صاحب هذا النص إما لتكثيف رؤياه الخاصة وإما لمناقضتها أو لامتصاصها بطريقةٍ أو بأخرى في انسجامٍ بنيويٍّ حتى تستجيب لمقاصده وغاياته…

و هو في (رابعة الأثافي)  شكلٌ من أشكال تعددية الأصوات، يحضر بقوة في معظم مقاطع الديوان حضورًا يضفي على المتن الشعري المشترك سحرا خاصًّا، يستمد ألقَهُ من تنوع مشارب هذه الأصوات، بين القرآن، والأسطورة، والتاريخ، والفلسفة، والشعر، والمَثل و غيرها من مصادر الحوار الثقافي الّذي لا يستثني أحدًا من المبدعين في شرق الأرض وغربها، على اعتبار أن التناص قدرٌ جماليٌّ يطولُ الإنسان بشكل عام. وفي هذا السياق وجب التذكير أن الكائن الوحيد الّذي لم يتناصَّ مع أحد هو “آدم” عليه السلام.

رابعة الاثافي تجربةٌ شعريةٌ تخييلية لا تكتفي باستحضار النص الغائب لمحاورته فحسب، و إنّما و أيضًا و أساسًا تقوم الأثافي بتحديد المرجعيات الأصلية للنصوص المنصهرة في بوثقة النص تجعل النص في حركية دائمة تتجاوز الآنية إلى معانقة التاريخ في مفهومه المطلق.

و لنضرب لذلك أمثلة تمثيلية لا حصرية تفيد في إضاءة (رابعة الأثافي) على مستوى المحاورة:

– قال الشاعر (ع ب):

ألا هبّي بصحنك فاصبحينا

و لا تبقي جروح روابينا

ما أطلسك غدا اليوم أمس في عرس جديد

هو العيد بعيد

صقيع يلف الصقيع  – 10

و السياق الباعث على هذه المحاورة هو عنوان القصيدة (نبيذ… إدمان سكرة) وهو سياقٌ ارتبط بالذاكرة الموشومة في وجدان الشاعر الراهن الذي استحضر الشاعرَ الماضويَّ القابعَ في التراث البعيد (عمرو بن كلثوم) النازح من الزمن الجاهلي، و الوصفُ هنا  تحقيبٌ لا حكم قيمة…

في هذا التناص تجلّى ذكاء الشاعر الممارس لفعل المحاورة و هو يلقي بالقارئ في قبضة التاريخ الثقافي لماضوية كانت تعجّ بالعطاء. مع تخصيص المحاورة بخصوصية واضحة، إذ الشاعر لا يطلب خمرا، بقدر ما يطلب التذكير بالجروح (و لا تبقي جروح روابينا)، علمًا أن الروابي هنا معادلٌ موضوعيٌّ لمفردة (الأندرين) و هي مدينة في الشام تُصنع فيها الخمور… و هي الفضاء المشيرُ بطريقة تلميحة إلى مسقط رأس الشاعرة (ر د) المقيمة في (رابعة الأثافي)  تحاور الشاعر و يحاورها.

إذن… هو تناصٌّ ماكرٌ لا يروم بيانَ تحكّم في الثقافة بقدر ما يروم استخلاص مصداقية راهنة لهذا المشترك الشعري الذي تبدو فيه الذوات منتشية لا بخمرة الأندرين بقدر ما هي منتشية بخمرة الجرح العربي هنا (المغرب) و هناك (الشام\سوريا). يؤكّد ذلك توجّه القصيدة نحو استثمار أمكنة ترتبط  بالمغرب و بالشرق عامّةً (سبو- بردى – النيل – الفرات – الهلال الخصيب) استثمارًا يقدم السؤال و يركز على المساءلة أكثر من الوصف المجاني… و يفيدنا هي هذا التخريج الدلالي و يؤكده قول الشاعر في نفس القصيدة:

رحل الذين عرفتهم ما يدقّون اليوم جدار خزّان من عرق

و صديد

ارحلْ

لا تنتظرني – 11

و هنا ينبجس تناصٌّ آخر و يتعلّق بمحاورة رواية (رجال في الشمس) للمبدع الفلسطيني الراحل “غسّان كنفاني”. و في هذا الحوار شجبٌ و تنديدٌ لواقعٍ اختارَ الصمت و لم يختر فكرة النشيد من الأطلس حتى الهلال الخصيب… ( لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟)… (لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟)… لماذا؟…

هذا غيضٌ من فيض في أطاريح ظاهرة التناص عند الشاعر (ع ب) اكتفينا بهذا العبور المتكلّم بكثير من الدلالات. و في الضفة الأخرى اختارت الشاعرة (ر د) مجموعة من المحطّات تناصّتْ فيها مع مصادر ثقافية متعددة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر أيضًا ما يلي:

– التناص الرّاهن:

يا الهارب من حصار الغزل

كيف طاوعك الفؤاد على الإقصاء رغما

و ما إقصاؤك إقصاء

لكن حصاري هو الحصار

لن  تموت من اغتراب

و الفرار   – 12

و لو أن السياق سياقان واحد يتغنى بالحرية في ظل الحصار السياسي والثاني يتغنى بالعشق في ظل الحصار الوجداني و العاطفي إلا أن التناص بينهما واضح و جليّ و ذكي في استثمار المقولات بطريقة لا يحسّ فيها القارئ بليِّ أعناق النصوص المتحاورة. و في هذا النزوع مالتِ الشاعرة إلى توظيف اللمح بدل التصريح ممتطيةً بعض التشابه بين النص النواة والنص المتحاوَرِ معه انطلاقًا من التركيز على علامتيْ التكرار (حصاري هو الحصار) و الإيحاء عبر مفردة (الفرار) التي تحيل بمكر فنيٍّ على العبارة في سياق الشاعر محمود درويش ( حاصر حصارك لا مفرّ).

– التناص الأسطوري:

هلّا طرّزت مناديل

الانتظار

بتلويح إياب – 13

في قول الشاعرة أعلاه ذكاء في بناء التناص، حيث لا تمارس مجانيةً تفي بالمفردات في وضوحِها المبتذل. و هي في هذا المنحى تحترم ذائقة المتلقي وذكاءه معًا على اعتبار أنها تثق في المشترك المعرفي بينها و بينه و هي تلقي به في أتون الأسطورة دون مساعدته بصريح العبارة. إنها ترشّ رذاذَ التناص ولا تفضحه.

المتلقي يدرك أن المحور الحاضر يحيل على محور غائب:

– التطريز مقابل الغزْل

– الغائبة مقابل بينيلوب

– الانتظار مقابل الانتظار

– التلويح مقابل يقين بينيلوب بعودة أوليس

و يشفع لنا هذا التأويل حضور علامات في سياق القصيدة قبل حدوث التناص… ذكرت الشاعرة فكرة الفارس و الترحال و الغياب و الانتظار و المنفى والبحر… و كلها علامات لسنية مشحونة بالدلالة التاريخية الموغلة في الأسطورة.

– تناص التراث:

… حزم هموم

يطمس كل شعاع

كي لا يرى السمار في نجوى

و لا ليلى

تواعد المجنون – 14

في هذا التوجّه الغارف من حكاية تراثية تتعلق بقيس و ليلاه، تميل الشاعرة لا إلى التباكي داخل عذرية العلاقة، تكررها و تنسخها نسخا و تعيدها تكرارا باهتا و مملّا… بقدر ما تربط التناص فيها بحركية النفي ( لا لون – لا يرى السمار – و لا مروى للصادي – و لا شروق يسطع… ) و هو النفي الذي تبنيه الشاعرة داخل المحكي القديم في لبوس الاعتمال الشخصي الحديث، تتقمّصه وتعيد إنتاجه بخلفية جديدة تعلن على نضوب العلاقة كلّما وجّهها الرحيل وأطرها الانفصال إلى درجة قاسية تختم فيها الشاعرة هذه الماضوية بفكرة الموت، و الارتماء في جوف ليل أعجف ينطق فيه الحجر و لا شيء غير الحجر…

تناصٌّ بنكهة القسوة يفيد في إعادة قراءة القصيدة الحداثية داخل منظورات أكثر دينامية و أكثر استيعابا للحظة الراهنة تجنّبًا للتكرا و للبكائيات التي تشدّ أجنحة قصيدة النثر الحداثية عن التحليق.

– التناص القرآني:

كيف تجتاح البوادي

ريح صرٍّ عاتية

تنثر الروح هباء

فوق أشواك الوهم – 15

يأتي هذا المقطع واضحًا و جليًّا في اتكائه على الآية القرآنية التالية ( وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ). مع تصرّفٍ من طرف الشاعرة في إبدال مفردة الصرصر و تعويضها بمفردة الصر، على اعتبار التوظيف الشاعري الذي لا يؤمن بالنقل الحرفي للنص المتحاور معه. و هنا ذكاء الشاعرة إذ فضّلت مفردة (الصِّر) وتعني الريح الباردة زيادةً في التنكيل بالصورة الشعرية و الذهاب بها مذهب الالوخز الشديد للمشهد. و لعلّ الشاعرة تستفيد من قوله تعالي في سياق آخر (مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ) – 16

إن اختيار الشاعرة لهذه العلامة السيميائية اختيارٌ ذكيّ و موفّق و بعيد في اجتناء الدلالات الممكنة لرسم غيبوبة هذا الموضوع الذي تزيح عنه بعض أوراق التوت، و نقصد موضوع الوطن الذي عطفتْ فيه الشاعرة عطفًا ماكرا على النص الفاعل الذي ألقاه الشاعر (ع ب) في بداية الديوان تحت عنوان(هذا قصيدي يا وطني)…

هناك – على سبيل التمثيل – تناص قرآني آخر:

و يا لقلبي

كم عليه أن يغوص في حمم

ليت البراكين الخامدة تثور

و التنور يفور  – 17

و النص المُحَاوَرُ هنا هو الآية القرآنية التالية: (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) – 18

لا يقع التقاطع هنا داخل التشابة في الموضوع أو القضية، فللسياق القرآني حرمته و للسياق البشري مصداقيته. فقط هو الاستئناس بالملفوظ المقدّس، نظرًا لقوةِ صوغِه و جمال تصويره و جلالِ إشارته و بشارته، تمتح منه الشاعرة بعضَ سندٍ لا يصف جوانيتَها بقدر ما يؤكّدها و يعزّزها و يُثرِيها على مستوى البناء.

من هنا يمكن قياس الحاضر على الغائب، و قياس الذاتِ في تجربتها النازفة على تجربة التاريخ القديم في شخص نوح  عليه السلام تستمد منه الذاتُ مقولاتِ القوة و الصبر و القرار الحكيم. و ذلك لأن فوران التنور في مخيالنا الديني مرتبط بقرار الركوب ثم الرحيل في إطار فوز القلّة لا الكثرة ( و ما آمن معه إلا قليل). و في المقابل يكون سفر الشاعرة لا عبر السفينة و إنما عبر فعل التمني ( ليت البراكين الخامدة تثور). و الثورة هنا مسعىً قادرٌ على فعل التغيير لتتبدّد الأوجاع و تتحرر الذوات ( عساها تتبدّد أوجاع الورى و يتحر من شجنه الفؤاد الأسير)…

  • الختم:

لم نكن بصدد مقاربة نقدية لديوان (رابعة الأثافي) في مفهوم المقاربة الشاملة والمغطيّة لكل مستويات الخطاب الشعري. و اكتفينا بمناورة بعض المحاور في أفق واحد يتعلق بتقريب الإشكال المتعلق بثنائية التأليف بين شاعر وشاعرة من مشربيْن مختلفين، و كيف حقّقا بعض التجانس الدلالي و هما في ضفّتيْن متباعدتيْن كل التباعد. بمعنى أننا حاولنا قراءة مفهوم التشعب في دوائر التجانس. فحظينا من خلال ذلك برؤيا شعرية مشتركة بين الشاعر المغربي (عبدالرحمن بوطيب) و بين الشاعرة السورية (روضة الدخيل).

و حظينا عبر ذلك بإمكان الكشف عن هذه الرؤيا المشتركة المرتبطة بقصيدة النثر الحداثية المختلفة في قوانينها الداخلية عن قوانين القصيدة العمودية. و هي رؤيا تتبنى مقولة الفوضى الخلّاقة التي لا تعني البتّةَ حريةً في التسيب أو تسيّبًا في الحرية. و الدليل أن ظاهرة الغموض الدلالي في الديوان كانت عمقًا في البناء و في التصوير و في الانزياح و في معانقة الرمز و الأسطورة دون التشظي داخل مركب الغموض المجاني اللاعب على مهارات تكسير أعراف اللغة. لقد كان غموضًا دلاليًّا بمفاتيح يتركها كلٌّ من الشاعر و الشاعرى قيد التناول لفك شفرات المقول الشعري في (رابعة الأثافي).

هكذا كان الديوان. نموذجا للنص الحداثي الحقيقي الذي يمتلك نظامه الخاص، غير أن هذا النظام لا يفرض نفسه من الخارج، بل ينبثق من داخل التجربة الشعرية ذاتها، و هي التجربة المشتركة بين ذاتيْن، و هنا كانت الصعوبة والإشكال، و هنا أيضًا نحج كل من الشاعر و الشاعرة في توحيد المختلف وتوطين المؤتلف في هذا الخطاب الشعري غير المفتوح على العبث، بقدر ما كان خطابا مفتوحا على مقولة الاحتمال…

  • إحالات

1 –  أنظر نموذجًا للتفضية المتكلمة بالخروج من الديوان ص 68

2 – روضة الدخيل – عبدالرحمن بوطيب- رابعة الأثافي- منشورات النورس 2026- ص 74

3 – محمد العباس؛ ضد الذاكرة ( شعرية قصيدة النثر). المركز الثقافي العربي. بيروت – البيضاء ط 1 – 2000 – ص 48

4 – روضة الدخيل – عبدالرحمن بوطيب- رابعة الأثافي- منشورات النورس 2026- ص 25

5 – المرجع نفسه –  ص 27

6 – المرجع نفسه – ص 61

7 – المرجع نفسه – ص 49

8 – غاستون باشلار : شذرات شعرية النار، باريس 1988 ، ص 29

9 – ديوان (رابعة الأثافي) – ص 31

10 – المرجه نفسه – ص 31

11 – المرجع نفسه – ص 33

12 – المرجع نفسه – ص 87

13 – المرجع نفسه – ص 89

14 – المرجع نفسه – ص 101

15 – المرجع نفسه – ص14

16 –  سورةآل عمران – الآية 117

17 – ديوان (رابعة الأثافي) – ص 113

18 – سورة هود – الآية40

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.