سقوط… غير حر

قصة قصيرة

0 260

- Advertisement -

زلت به القدم من أعلى السلم وهو يحاول تثبيت إطار صورته الكبيرة على جدار صالون الضيافة الواسع ببيته الكبير، الذي بناه بعشق وسخاء من ماله الحلال، الذي كان يوفره منذ سنوات من تجارته المربحة في الأثاث المستعمل، والمتقادم من الآلات، والعجيب من الخردوات القديمة… السلالم غدارة، كلما ارتفعت الأقدام عليها درجة كلما ازدادت حدة المخاطرة بالسلامة وباحتياطات تفادي السقوط من عَلٍ إلى أسفلَ…
تَعَلَّمَ من تجارب الحياة أن السقوط، كلَّ سقوطٍ، ينتهي إلى حجز مكان مهمل في محل بيع خردوات… مغامرته بصعود درجات السلم، على تقدم منه في السن وترهل من جسد، أتته من رغبته الجامحة في تثبيت أكبر صورة له على أوسع جدار من أَفخمِ بيتٍ وأَوْسَعِهِ مساحةً… بيت مقتنىً من مال حلال متحصّل من تجارة حلال، ولو أنها تجارة خردوات…
السلالم غدارة… لكنّ الصورةَ مغريةٌ بالمخاطرة… أولُ صورة التقطت له في حياته وهو يحمل بين يديه كتابا… كتابا مستعملا… الإعجابُ بصورته رفقةَ كتاب مستعمل متحصّلٍ من تجارة خردوات لم يأته من ذات نفسه… الإعجاب تَشَرَّبَهُ من اقتراح أفراد أسرته تثبيتَ الصورة المزينة بإطار خشبي قديم من خشب ممتاز متحصّل من عملية شراء أثاث مستعمل… اقتراحٌ كان مبطّنا بسخرية غير معلن عنها، وهم يتغامزون عليه، دون أن يفطن إلى غمزاتهم…
بمكر مستتر، قال ابنه الكبير:
“لك أن تظهر أمام ضيوفك المحترمين، وهم كثيرون، بصورة الرجل المتعلم… ولِمَ لا بصورة الرجل المثقف… الصور عادة توثيقُ حالاتٍ ووضعيات، ولو لم تعبّر عن حقيقة متعيّنة… أبي العزيز”.
قالت ابنته الصغرى، وابتسامة مخنوقة تكاد تفرّ من بين شفتيها الصغيرتين:
“جميل أنت، عزيزي أبي، مع هذا الكتاب المستعمل… تظهر بصورة الرجل العالم الوقور، ولو أنك لم تتعب نفسَك بأخذ درس واحد من الدروس التي تزهق أرواحنا في مدارس النهار الرسمية، وفي مدارس المساء التكميلية… أبي الجميل”.
قالت زوجته المصونُ بصوت مهموس يحاذر أن يهرب إلى حدود ضحكةٍ صارخة:
“مبارك عليك، سيدي الحاج، هذا الشرف الكبير… أنت قدوة طيبة… الصورة مع الكتاب المستعمل تزيدك هيبة… زوجي الغالي”.
قال لنفسه دون أن يسمعه أحد:
“ولِمَ لا، ما العيب في ذلك، أنت رجل محترم بين معارفك وزبائنك وموظفي وكالاتك البنكية… أنت غني… تاجر خردوات… رجل محترم… الصورة مع كتاب مستعمل تزيد من حرارة احترام الناس لك… ولو أنها صورة لا قيمة لها في عالم المال… الاحترام لا يتأتّى إلا بمقاديرَ مالية… يزيد وينقص… ماذا يفيد حشو دماغ بحروف من كتاب مستعمل مقارنةً بحشو جيب بأموال متحصلة من تجارة خردوات… لكن، لا بأس… المظاهر، ولو أنها خداعة، تقتضي مجاراةَ
نظرة الناس… أولئك الناس الذين خبرتهم في حياتك يحبون المظاهر، ولو كانت زائفة… الكتاب المستعمل إضافةُ تزيينٍ للصورة… عليك بتثبيت الصورة في أنسب مكان… للضيوف عيون وأنوف… العيون غمّازة… والأنوف شمّامة”.
لعن اللهُ السلالمَ كلَّها… زلت به القدم وهو يرتقي درجاتها… لم ترفق به وهو يعتلي درجاتها منتفخَ الريش مزهوا بنفسه وقد حصل على صورة عجيبة ستزيد من احترام الناس له… السلالم غدّارة… كثيرون سقطوا على رؤوسهم من أعلى درجاتها وهم يتعجلون الارتقاء إلى أعلى مستوى من مستويات الناس… الناس درجات… الدرجات غير مأمونة… ترفعك إلى أعلى، وترمي بك إلى أسفل… عليك تعلم الدروس من بهلواناتٍ لاعبين على حبال في “سِرْكِ عَمّار” 1…
اللعب على الحبال لعبٌ لذيذ… اللذة مخادعة… حتى في أعلى قمة الانتشاء قد تتحول اللذة إلى عقدة… اللذة غالبا ما تكون زائفة… وَهْمٌ يسيطر على الكيان… لذة الانتشاء بالصعود… والصعود… والصعود، دون حذرٍ، وخيمةُ العواقب… ملعونة هذه السلالم… ملعونة هذه اللذة… ملعونة تلك الحبال المخادعة.
سقط على أم رأسه… زلت به القدم… سقطت الصورة… سُقوطٌ غيرُ حُرّ… تكسّر الإطار الخشبي المستعمل… ضحك الابن الأكبر… قهقهت الطفلة الصغيرة… صرخت الزوجة المصون… هرعوا إليه يسعفونه… السنّ متقدمة… الجسد ترهّل… الرأس ثقيلة مملوءة بأرقام حسابات بنكية… الاحترام الزائف الزائد عن الحد المطلوب من صورة مع كتاب مستعمل له ثمن… ثمن الإطار أغلى من ثمن شهرة مستعارة من سوق خردوات… اللعنة على الكتب كلِّها… جديدةٍ أو مستعملة… لعبة ارتقاء السلم بصورة مع كتاب، مستعملاً كان أم جديداً، لعبة خطيرة… للناس عيون غمازة… للناس أنوف شمامة…
الرجل الساقط سقوطا غَيْرَ حُرٍّ ضغط على رأسه بين يديه… الألم فظيع… على كل حال، محاولة الصعود ليست فاشلة…
الرجل الساقط سقوطا غَيْرَ حُرٍّ وقف على رجليه… الألم يزول مع الوقت ومسكّنات… لكن، ما هذا الشعور الغريب يغزو الرأس ويعلو ضجيجُه؟
الكتاب سقط من الصورة سهوا واستقرّ داخل الرأس… الحروف داخل الرأس تتراقص… الكلمات داخل الرأس تغني… الجمل داخل الرأس تعزف… الصفحات داخل الرأس تتعانق وتتبادل القُبْلات… الغلاف داخل الرأس يزهو بنفسه ويعجب…
العنوان داخل الرأس ينفخ ريشه ويتطاول… إنه عنوان كتاب “شعرية حكايات في عقر دار خردوات”… للكاتب الكبير النحرير… السيد “العارف بأسرار خردوات… وبفنون ارتقاء على سلم و… درجات”… صورة الرجل مع كتاب مستعمل على وجه غلاف كتاب جديد غزا السوق مؤخرا داخل الرأس تزغرد… لا يهم، الوضعية سيان… سواء أكانت سوقَ كتب، أم كانت… سوقَ خردوات… اللذة حصلت، والارتقاء نجح… عيون الضيوف المحترمين لن تغمز… أنوف الضيوف المحترمين لن تشم… اليومَ وأمسِ وغدا، هو الكاتب الشهير… النحرير الساقط سقوطا… غَيْرَ حُرّ… ولْيَرْحَمِ اللهُ السلامَ… كلَّها. ـــــــــــــــــــــ
هامش
1/ “سيرك عمّار”: سيرك مسمى باسم صاحبه، تشير منصة ويكيبيديا إلى أنه هو الجزائري أحمد بن عمار، زوج ماري غابرييل بونفو، الذي قدم عرضه في العاصمة الفرنسية، وكان يقدم عروضا احتفالية بحيوانات برية، وألعاب بهلوانية، في خمسينيات وستنينيات القرن الماضي، بأكبر المدن المغربية… كاتب القصة كان من مرتادي هذا السيرك العجيب في طفولته.
ـــــــــــــــــــــ
عبد الرحمن بوطيب / المغرب
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.