نصوص للدكتورة سيسيل أومهاني

0 244

- Advertisement -

 

  • مانهاتن مجدّدًا

 

تعلّق أحلامك
على ظهور كراسٍ متذبذبة،
في غياب الأشجار
التي زرعتها في طفولتك.

تغمس جُمَلك
في قهوةٍ خفيفة،
وتنفض الغيوم
عن النافذة.

 

في الشارع خارجا
ثمة فتاتٌ هشّ من نجوم
يدور ببطء
وهو يهبط نحو الأرض،
لكنّك لا تراه،
أنتَ، المنفيّ من الدبّ الأكبر،
ولا تستطيع العودة
إلى أصيافك البعيدة.

تقف على الرصيف،
شارع 168، خط A المتجه إلى البرونكس—
كان ذلك منذ زمنٍ بعيد.

 

صفحاتٌ كاملة من جرائد صينية،
مظلّة محطّمة ملقاة
إلى جوار باقة وردٍ ذابلة
ما تزال في غلافها،
بقايا تندوري ماسالا
يتلألأ في واجهة متجر.

هل تكفي قبّعاتك وأوشحتك
حين تسعل الشوارع والمارّة
بكلَّ ذلك البرد؟

 

دورات كثيرة من المد والجزر

بلا حصاد
عدا
النسيان.

 

  • بورتريه الفيّوم

 

زوّارٌ يتوقفون ممسكين بأيدي بعضهم
أطفالٌ يشدّون أكمام أمهاتهم
ويمضون، متلهفين للغد،
ظلالاً صامتة بلا أسماء.

 

في الطرف الآخر من القاعة
وجهُ رجلٍ على الجدار،
شعرٌ داكن مجعّد ولحية،
عيناه تحدّقان عبر القرون،
واعيتان بالشخص الذي في داخلي،
مفعم بالحياة.

 

من كان؟
ساكنَ الفيّوم،
مدينة التماسيح القديمة،
المفتون بشجرة الجميز
وشواطئ بحيرة قارون المضاءة بالنجوم.

 

أيُّ وجوهٍ أحبّها وما تزال عالقةً في نظرته،
منعكسةً في مناظر اندثرت منذ زمن بعيد،
كلماتٌ تتشكّل خلف شفتيه المطبقتين
لتقاسم الأحلام والأفكار السرّية،
بتوق وشوق.

 

كم يبدو الماضي ميتاً، واليوم أينه؟

 

في الخارج تحوم المروحيات عالياً في السماء،
نوافذ لا تُحصى تُطلّ على الشارع،
كلُّ غصنٍ في الأشجار المجاورة
عالمٌ مختلف لطائر شريد.

 

 

  • أصوات الماضي

 

نمضي في العتمة
نفتح الماضي إلى الأبد
كما في صفحات كتابٍ مهترئ.

 

قرب الأشجار العالية الهامسة
في آخر الحديقة،
نتحسّس بأطراف أصابعنا
لحاءٍ معطّر وأوراقٍ ضخمة،
بحثاً عن أبياتٍ
كُتبت بأبجديةٍ ضائعة.

أصوات الكبار ترنّ حتى وقت متأخر من الليل،
فتهدهدنا في نومٍ مطمئن،
لم نكن نفهمها غالبا.

 

يتردّد صدى كلماتهم مع النسيم
في شرفةٍ خالية،
فهل يمكن أن تُنسى يوماً
مع تراجع الحاضر؟

 

وعدٌ لم يتحقق بعد،
ولغزٌ بلا حلّ.

 

  • عابرُ الشواطئ

 

يا من تعبر الشواطئ لا يثينك شيء
تعدّ الغيوم
بين نافذتك والفجر،
وتجمع على الضفّة
كلماتِ أمّك،
تلك التي كانت تُمرّرها وتلفّها
في نسيج لغاتها.

 

في الشتاء، وقتَ الكرسمس،
كانت تنشرها على حبل
قرب المدفأة، جوار صور
جاءت بها من صندوق البريد
أسفل الحديقة،
وقد تسرّب البرد إلى عظامها،
كانت تحتاج إلى تدفئة،
وفوق ذلك لم تكن ترنّ
ككلمات أطفال المدرسة الآخرين.

تجدها من جديد
تعشعش في الأصداف،
فتهمهم
أغنية أمّك الضائعة،
نابضةً عميقاً
في كل عرقٍ من عروقك،
تضرب الأرض مع خطواتك

 

ترتب لساعاتٍ
ألوان مناظرها،
تحت المطر،
تلك التي عجنتها وخبزتها
لك مع خبز الصباح،
منفيةً من بلدان
لم ترها قط،
والتي كانت تنتمي إليها،
ولم تكن تعلم
أنك تنتمي إليها أيضاً.

كنتَ تعيش
في مدينة بلا شواطئ،
وكانت بجعات المساء
ترسمها
في السماء عند الغروب
بصرخاتٍ حادّة طويلة،
وأمّك تطرزها،
ثم تضعها في مظاريف
ترسلها إلى قارّة أخرى.

لقد صبغ الزمنُ الشواطئ،
ورسائلها على الأقمشة
تقطر من الأشجار
بعد العاصفة،
فتنشرها عند النافذة،
وتحمل في كفّيك المقعّرتين
كلّ الدروب
التي لم يسمع بها أحد
في المدينة بلا شواطئ.

 

تتوهّج يداك
في الليل،
ممتلئتين ببيوت
ووجوه
من الخارج،
وتمضي
أيّها العابر الذي لا يثنيه شيء.

 

 

  • صورٌ متراكبة

 

خطوةٌ واحدة داخل ألبوم صور
بدلاً من مرآة،
ثم أجلس في شرفة،
نسيمٌ خفيف يلامس وجنتي،
يحرّك سعف النخيل
المتأرجح برفق في الحديقة بالأسفل،
أصواتٌ تنادي، عرباتُ ركشا تمرّ،
حفيفٌ مكنسةٍ بطيء رتيب
على السطح،
أصداءُ حيواتٍ لا تُحصى،
أعماقُ أمكنةٍ حُلم بها طويلاً.

ببغاواتٌ خضراء صغيرة تثب
من غصنٍ إلى آخر،
مهندسو فضاءاتٍ لم تُكتشف،
الحياة تتشكّل وتعيد التشكل بلا توقف،
خيوطٌ تُنسج وتُفكّ
ثم تُنسج من جديد.

ومرةً أخرى،
صورةٌ بالأبيض والأسود مؤطّرة
معلّقة على الجدار في الممر،
وجوهٌ ضبابية تنعكس في الزجاج،
تختلط بوجوهٍ من الماضي،
عيونٌ تتطلّع بشغف إلى بعضها،
تبحث عبر الصور
المتراكبة عبر الزمن.

الطفلة ذات الثوبٍ الأبيض
تقف إلى جوار أبيها
المستريح في كرسيّ هزّاز،
وأنا، بعد عقود،
في مكانٍ لم تتخيّل
أن تطأه قدماي،
أشتهي آثاراً وعلامات
عليّ الآن أن أبحث عنها
بمفردي،
حيواتٌ وآمالٌ ورغبات
تتأرجح إلى الأبد في الهواء.

 

 

د. سيسيل أومهاني
د. سيسيل أومهاني شاعرة وروائية دولية مقدرة. نشأت بين اللغة الإنجليزية التي تنتمي إلى والدتها والفرنسية التي ينتمي إليها والدها. محاضِرة أولى سابقة في جامعة باريس-إست كريتاي. عضو في هيئة تحرير المجلة الأدبية “أبوليه”شاركت في العديد من العروض والمهرجانات داخل فرنسا وخارجها. صدر لها العديد من الدواوين الشعرية والمقالات الأدبية وترجمت أعمالها إلى لغات عديدة
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.