عزام الخديدي وإذاعة جدة… حكاية مذيع يقرأ ضيفه قبل أن يحاوره

0 45

- Advertisement -

ياسمين الفردان – السعودية

لم يكن عزام الخديدي مذيع برنامج نقاش على إذاعة جدة يبحث عن حلقة تملأ ساعة من البث، بل كان يبحث عن فكرة تملأ عقل المستمع. ولهذا لم تكن برامجه يوماً برامج للتسلية العابرة، وإنما كانت منصات تدخل إلى أكثر المناطق حساسية في المجتمع؛ تناقش النسوية، وتقترب من المثلية بوصفها قضية تستحق الفهم والنقاش، وتدق ناقوس الوعي في ملفات تمس حياة الناس اليومية، مثل ثقافة “اشتر الآن وادفع لاحقاً”، وتفتح أبواب المعرفة باستضافة شخصيات تصنع الفارق، كما حدث عندما قدّم أول لقاء إذاعي حصري مع الأنثروبولوجية الجنائية السعودية سارة بن وافية، قبل أن يصبح اسمها متداولاً في هذا المجال.

وسط هذه المساحة الفكرية وجدت نفسي أنتقل من هوية لازمتني أكثر من ستة وعشرين عاماً؛ صحفية تمارس المهنة كل يوم، إلى هوية جديدة ما تزال تتشكل: سيناريست تحمل شغف البدايات. جاءت هذه النقلة بعد توثيق سيناريوهين تلفزيونيين في الهيئة السعودية للملكية الفكرية.ثم جاء لقائي عبر إذاعة جدة مع عزام الخديدي، وكأنه إعلان هادئ بأن الطريق الجديد قد بدأ.

كان حضور الحلقة لافتاً، لكن ردود الفعل كانت أكثر لفتاً. وأكثر ما استوقف بعض المستمعين سؤال عزام لي: كيف لسيناريست مبتدئة أن تغوص في الصراع النفسي العميق؟. انهالت عليّ الاتصالات بعد الحلقة. كان السؤال يتكرر بصيغ مختلفة: كيف يصفك بالمبتدئة وأنت صاحبة تجربة طويلة في الصحافة والإعلام؟، ابتسمت… لأنني فهمت السؤال أكثر مما فهمه من اعترض عليه.

لو أن عزام قدمني بوصفي خبيرة في السيناريو، لكان قد جاملني، والمجاملة ليست من أخلاق الإعلام المهني. أنا خبيرة في الصحافة، نعم، لكنني في عالم السيناريو ما زلت في بداية الطريق. والخبرة في مهنة لا تمنح صاحبها صكاً بالخبرة في مهنة أخرى، حتى وإن اجتمعتا عند شغف الحكاية.

قبل اللقاء كنت أظن أنني سأدخل الاستوديو وأنا الأكثر معرفة. لكنني فوجئت بأن الرجل الذي يحاورني محاورا شرسا، يستعد جيداً، ويبني أسئلته بعناية، ويعرف كيف يقود الحوار إلى المناطق التي لا يصل إليها السؤال العابر.

كان ذلك أول لقاء له مع سيناريست سعودية وهو فارق كبير بالنسبة لي، لكنه لم يتعامل مع التجربة على أنها الأولى، بل تعامل معها كما يتعامل الباحث مع اكتشاف جديد؛ يفتش، ويستفهم، ويمنح الفكرة حقها الكامل. حينها فقط أدركت أن السؤال لم يكن امتحاناً لي، بل امتحاناً للفكرة نفسها. وأثناء الحوار شعرت بحرارة السؤال أكثر من صعوبة الإجابة، لأنني كنت أمام محاور يعرف أين يضع إصبعه، ومتى يطرحه، ولماذا يطرحه.

في تلك اللحظة تذكرت الإعلامية السعودية الكبيرة إيمان باحيدرة، عندما التقيتها قبل سنوات عبر إذاعة الرياض. بقي في ذاكرتي يومها ذلك الإحساس النادر بأنني أمام إعلامية لا تبحث عن إجابة محفوظة، بل عن الإنسان المختبئ خلف الإجابة.

وكانت إيمان بصمة مهنية يصعب تجاوزها، كما ترك عزام الخديدي لدي الانطباع نفسه، وإن اختلف الأسلوب وبقي الاحتراف.

وخلال أكثر من ستة وعشرين عاماً من العمل الصحفي، حاورت ما يزيد على ثلاثة آلاف شخصية من داخل الوطن العربي وخارجه، وتعلمت أن الميكروفون لا يصنع إعلامياً، وأن الشهرة لا تصنع محاوراً.

الذي يصنع الإعلامي حقاً هو القراءة، والاستعداد، والتركيز، والإنصات، ثم امتلاك الشجاعة لطرح السؤال الذي يخشاه الآخرون.

ولهذا أستطيع أن أقول بثقة إن مقاعد الإذاعة السعودية، في جدة والرياض، لم تبلغ مكانتها المهنية مصادفة، وإنما لأن من يجلس عليها يدرك أن الهواء ليس مساحة للكلام، بل مسؤولية تجاه عقل المستمع، واحترام لوعيه، وإيمان بأن الكلمة الجيدة قد تعيش أطول من صاحبها.

وإذا أردت أن ألخص تجربتي مع عزام الخديدي في جملة واحدة، فسأقول: خرجت من استوديو إذاعة جدة أكثر يقيناً بأن الطريق إلى الاحتراف يبدأ عندما يعاملك المحاور كما أنت، لا كما يرغب الآخرون أن يروك.

للاستماع للقاء على الرابط:

https://x.com/i/broadcasts/1kJzDDyrVnqKv?s=20

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.