نصوص للشاعرة الهولندية بابس غونس

0 766

- Advertisement -

بابس غونس – هولندا

ترجمة مهدي النفري – هولندا

 

تأملاتٌ في فظائع غزة

 

الكلمات الصحيحة

أريدُ أن أُعفيكَ مما يحدثُ هنا

بينما نشاهدُ

وننظرُ بعيدًا

نُراقبُ

ونمضي قدمًا

ليسَ لديكَ ما تسمعهُ

كيفَ نتجادلُ هنا

حولَ الكلماتِ الصحيحةِ

بينما ننظرُ بعيدًا

سأُبقي فمي مغلقًا

عن إيماننا المُقدّسِ بحدودِ

غيرِ مرئيةٍ للرياحِ والحشراتِ

لكنّ رسمَ خطٍ في الرمالِ

نجدهُ مُعقدًا

سأصمتُ أيضًا

عن كيفَ نحولُ العالمَ إلى قريةٍ

كيفَ، في غمضةِ عينٍ

على الجانبِ الآخرِ من الأرضِ

تُلقي طردًا خلالَ يومٍ واحدٍ

من الجانبِ الآخرِ من المحيطِ

لكنّ بعضَ الأماكنِ تبقى دائمًا

آمنةً على مسافةٍ بعيدةٍ

لا فائدةَ على الإطلاقِ

لمعرفةِ كيفَ سنعرفُ فيما بعدُ

نحزنُ ونتأملُ

نتذكرُ ونُفكرُ

كيفَ أننا لن نتمكنَ من

جعله يحدثُ مرةً أخرى

بصعوبةٍ بالغةٍ

سنجدُ الكلماتِ المناسبةَ

لتغطيةِ الصمتِ

بحفنةٍ من الكتبِ المليئةِ

بالتفسيرِ والجدلِ

ستتدفقُ الكلماتُ

ولن تتوقفَ

سنبني ركامًا أفضلَ

بهِ

سنبني جدرانًا من الوعدِ

منتصبةً

سنضعُ الخططَ

لوضعِ المقياسِ الإنسانيِّ

مرةً أخرى

***

متعدد اللغات

 

تَعَلَّمتُ لُغةً تلو الأخرَى

لُغةَ الملابسِ الأنيقَةِ

التي تقابلُ شيئًا من جلدِكَ

من الكلماتِ المعتنى بها حتى الكمالِ

التي تبدو وكأنها تغفرُ لكَ شيئًا ما

لُغةَ الرأسِ المرفوعِ والظهرِ المستقيمِ

والتظاهرِ

لا أحدَ يستطيعُ أن يلمسَكَ

لُغةَ من تظنُّ نفسَها

لُغةَ من تظنُّني أنا

لُغةَ أحبَّني على الرغمِ من هذا الجسدِ

لُغةَ أحبَّني بفضلِ هذا الجسدِ

لُغةَ أن تبعدَ أصابعَكَ عن شعري

فقط الريحُ قد تمرُّ من خلالِهِ

أخرجْ أصابعَكَ من فمي

أحملُ لساني في صدري

اللغةُ التي تفصلُ الفمَ عن القلبِ

القلبَ من الدمِ

الدمَ من العظامِ

خزائنُ الملفاتِ ذاتِ الحكاياتِ الضائعَةِ

حيثُ في بعضِ الأحيانِ في صدى

لسلفٍ بعيدٍ

تقابلُ نفسَكَ

اللغةُ التي تغني روحَكَ في الوطنِ

اللغةُ العاريةُ جدًا

بحيثُ لا تعطيكَ شيئًا لتغطيَ به نفسَكَ

لكنَّ الأعزَّ إليَّ

اللغةُ التي تتركُني عاريةً جدًا

بقدرِ ما يسمحُ بهِ جلدي

……….

 

إذا رغبتُ في كتابة قصيدة عن التحضر

 

تأملتُ كيف يبدو الشعرُ المتحضر

قصيدة جافة العاطفة

ذكية التصوير

مقتصدة في الكلمات

غزيرة في المعاني.

ورأيتُ كتابًا تُسند إليه تلك القصيدة

غلافه بلون واحد

أسود أو أبيض

بلا صخب.

أبيض استعمار، رال9004.

العنوان بسيط بلون غير لافت

والصورة نظرة جادة

فالشعر في هذا السياق

حرفة صارمة.

لكنني

أشتاق إلى أبياتٍ نابضة

تزخر بالمشاعر

مُفعمة بالألوان والضجيج

صاخبة متعدّدة الأصوات.

أتوقُ إلى تعويذة غنائية

جوقات غوسبل

أنغام البلوز

صفقات الأيدي

رموز طقسية.

بلغةٍ ترحب

بمئة كلمة

وألف وجهٍ للضيافة.

صفحاتٍ تلتقط فيها أنفاسك

تُقدَّم لك فيها وجبة أولى

وتُسأل فيها

كيف كانت رحلتك؟

مثل أوديسيوس

العائد من التيه

يتساءل عن نوع البشر الذين سيلقاهم.

هل هم قساة متوحشون؟

أم مضيافون وإنسانيون؟

أريد شعراً يطرق الأبواب

دون تهيّب من الاستقبال.

قصائد قد أكون فيها عاطفية

أترك فيها الرأس يستكين

أتكلم من القلب ومن الجلد من الصدر.

تعبتُ من الشروط

تعبت من الكلام عن الضيافة بشروط.

أريد أن أجلس في اللغة

كجزءٍ من السلطة

كتيب عن عالمٍ جديد

قصة أخرى

لا تقوم على التفريق

ولا على الغطرسة الوطنية.

بل توضح أن التحضّر الحقيقي

مرهونٌ بعمق إنسانيتنا.

 

……….

من يفعل هذا؟

 

على موجات الراديو، صوتٌ يملأ الفراغ

رجلٌ في الأخبار، يرفع يديه نحو السماء

يسأل، يتوسل

من يقصف المخيم؟

دفنا أحدهم  فانهالت القذائف

هربنا فلاحقنا القصف

كنا نشرب الشاي، فاستهدفونا

كنا نطبخ، فانهال الرصاص

كنا نبحث عن مأوى، فلاحقنا الموت

نزيل الحطام ويهدمون ما بقي

ننتظر أن ينتهي القصف

فيعود القصف

نصغي للمذياع فيقصفون الصوت

كنا نحيا ،  فقصفونا.

 

……….

 

الصور

 

الصورُ لا تتركنا نرحل

رغم أن أعيننا لم تلامسها.

في لحظاتٍ عاريةٍ من الحماية

يلعبون بأنفسهم،

يتركون بصماتهم على وجه الزمن.

نرمي إليهم موسيقىً

شيئًا من الترفيه، من العلاج، من الشعر

ونمشي معها

كمن يمشي مع حُلمه.

لكننا في الحديقة

نتلفّتُ حولنا

نتساءل بصمت شفيف

من سيعبر هذه اللحظة؟

من سيُصوِّر؟

من سيتنازع أو يتجمّد؟

ومن سيظلّ ساكنًا لا يُفصح عن شيء؟

من سيأبه لنا؟

من سيتبادل نظرةً معنا

ويسأل برقة

هل أنت بخير؟

لم نُحدّق في الصور

بل تخيّلناها تسكن ذاكرتنا

وتُخبرنا كيف أثّرت فينا

كيف أنّنا جميعًا كنّا ممدّدين هناك.

لم نشاهد المشاهد

لكننا نمضي الليالي مستيقظين

بسبب تعليقاتٍ لم نقرأها

وصمتٍ يطرقنا مثل قلقٍ قديم.

نُجيب الظلام

فنهمس

لا

هي لم تطلب هذا

هم لم يطلبوا شيئًا.

 

بابس غونس
شاعرة وكاتبة هولندية ومقدمة برامج أدبية. شاعرة البلاط الملكي في هولندا 2023–2025، وهي من أبرز الأصوات الشعرية التي تمنح قضايا العصر لغة مشحونة بالحماسة والالتزام.
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.