الظرف الأول:
هذا ما تبادر في ذهني لحظة إدراك، كنت أفكر حينها في ماهية خصائص العمل الفني التي من شأنها تحويل العمل من رقم معدود عابر في معادلة الأرقام اللامتناهية من الأعمال الفنية التي تضج بها الأوساط على مستوى البسيطة في عصرنا هذا، إلى عمل يسافر عبر الزمن ويكسر قيده الدائري المحصور في هنة زمنية، تُرى ما الذي يجعل رائعة (ثلاثية الألوان) لكيشلوفسكي فاضلة؟!، ما الذي جعل من مساحة بروك الفارغة فضاء لمسرحية تجوب الزماكان؟!. ليست الأصالة في الابتكار وحدها طبعاً هي من كفلت تحقيق التأثير الأبعد، فالأصالة مرهونة بتوقيت ظهور الفكرة وهذا ليس كافيا، بل ليس دليلاً نستند عليه لتحقيق عمل فني يستطيع أن يُعّبر عنك بعد مائة عام من الآن، البعض سيقرأ كلماتي على نحو التنظير، لكني فعلا لست في محاولة فهمي هذه مستعد لنفق أفكار بيزنطي آخر أتوه فيه وأُتوه من يقرأني.
الظرف الثاني:
الطريق للعالمية يبدأ من المحلية، كثيراً ما نسمع مثل هذه الجُمل التي يرددها الفنانون أو صناع الفن بشتى أصنافه. أتفق أن العالم لديه من الفضول ما يكفي لإنقاذ عمل فني متورط، ولكن هل الوصول للعالمية هو وصول؟!، قبل الإجابة والتسرع يجب أن نفكر قليلاً في مفهوم الوصول، قبل أن تقتل ملاحقة الهراء طموحاتنا. نحن أمام طريقين إما أن نستسلم لما نُسميه بقواعد اللعبة التي لا أعتقد أصلا أنها لعبة وأجهل من أطلق عليها ذلك، أو أن نصارع الزيف بعدم الانصياع، وبذل الجهد أكثر في الاشتغال حد الاشتعال أكثر في المسير، نحو طموح فني مسؤول لا يكترث لقطع الأحكام المطلقة ولا يلتفت لمحرقة مقارنات الأعمال الفنية اليتيمة في مضمار السباق الأسرع، بل يرقى لحمل اسم البلد التي تلمح لنا بهكذا جهد عبر الوقوف خلف كل مبدع فيها .
الظرف الثالث:
يتأمل أحد الأصدقاء الطموحين و العاشق للمسرح في ما يمثله المسرح لمرتاديه هذه الأيام، فيباغتني بسؤال ملهم “ما الذي يعنيه المسرح لك يا عقيل؟”، أنقل في ظرفي الثالث إجابتي له.
“المسرح يا عزيزي تجاوز أهميته. فأصبح حاجة لمن يرتبط به أو يمر بالقرب منه، لأنه الواقع. نعم المسرح هو الحياة حرفياً في ظل هذه الضوضاء الافتراضية والخدر المستمر، نحن نعيش في المسرح يا صديقي، نستيقظ من قيادتنا للحياة بشكل ذاتي تلقائي لتتنفس جروحنا في حقيقته المتحررة من الزمن، ذلك لأن طبيعته هي الوحيدة التي تحدث بشكل غير مخطط رغم كل محاولات الإحكام عليه عبر الإعداد والعنونة وكل الرؤى من قِبلنا، إلا أن الحدث فيه صادم يشبه الحياة التي لم نعد نحظى بها”.
أخيراً أقول ” أنا لا أضع رؤيتي في الحياة اليومية لأني لا أرى فيها، أضع رؤيتي حين أعيش المسرح لأني أبصر من جديد فيه بعد دوامة العمى اليومية “
ظرف ممزق:
Ready to create “wonder” … “wonder” that can end war somewhere … “wonder” that can kill fear and sadness … “wonder” that helps change destinies.
كانت تلك الكلمات من خطاب لي قرأته أمام لجنة فحص ومعاينة مشروع تخرجي من معهد الفنون، أحررها من نصها الإنجليزي إلى نص أرحب.
“مستعد لصناعة الدهشة … مستعد لصناعة دهشة باستطاعتها أن تنهي حرب ما في مكان ما، دهشة كفيلة بأن تقتل الخوف وبعض من الحزن … دهشة تستطيع تغير الأقدار للأفضل”.
دعوني بعد أن أمزق هذا الظرف أن أقولها وبفمي المكتظ بالصمت وعيني المتوجسة بالتقاط الجمال، إن ما نصنعه من أعمال لا ترتقي بأن تكون فنية، وأخص ساحتنا المسرحية قبل غيرها، إن ما يحدث لهو مجابهة العبث بالعبث، إن ما نصنعه من فن يشبه امتطاء فرس أصيلة لتعدو بنا على الإسفلت الأسود كلما ارتطمت حوافرها فيه ثارت شرارة وأبهرتنا لنظن أن صيحة الفرس بألم حماسة فنجلدها بالذهب أكثر.
في مُنتهى مقالي هذا أضع خلاصة تأملي في جوهر سؤالي الأول، كيف أصنع عمل فني يعبر عني خارج غلاف الزمن؟، وأعتقد ان إجابته تكمن في وقود العمل الفني الذي يتمخض في التعبير، إن التأني في التعبير عن الذات وشعورها بانعكاس فني عال، يحتاج منا أن نصل لأصدق مراحل المواجهة في الصدق مع الذات عندها فقط سيكون الأمر وكأنه سحر قادم من المستقبل، أو من مكان آخر تماما لا يشبه ما نراه كل يوم، أما المشكلة يا أعزائي كل المشكلة، أننا أمام فوضى الفن والعمر قد لا نملك الوقت أو الظرف الكافي لصياغة عمل وحيد فريد يكفي لنضعه كمظروف داخل ظرف نرسله ليسافر عبر الزمان الذي نكون فيه قد رحلنا .
