ماهية اللحم المنسوج ونسَبية المسخ

(شهادة في رواية برلتراس)

0 97

- Advertisement -

 

نصر سامي – تونس

 مقدمة:

يمكن مقاربة رواية برلتراس (2023) للروائي نصر سامي بوصفها سردية ديستوبية تقليدية تكتفي برصد انهيار المجتمع البشري، ولكن هذا التناول، رغم أهميته، لا يفي بالحاجة، وإنما يتوجّب وضعها معرفيا داخل المختبر الفلسفي العربي، واعتماد أطروحة جذرية تعيد مساءلة مادتها وعلاقتها بـالذاكرة. فهذا النص يشتغل ضمن ما يمكن تسميته بوجودية المسخ، حيث يتجاوز السردُ التمركزَ الإنساني ليدخل في حوار مع المنعطف المادي الجديد وماهية الكائنات الموجهة، حيث يصبح السرد شبكة علاقات بين الإنسان وغير الإنسان (جماد، نبات، آلة، مناخ)، حيث يتساوى الجميع في التأثير والتأثر، وتُروى الحكاية من زوايا متعددة وليس إنسانية فقط.  فمن المعلوم أنّ ثمة انزياحا جذريا في الفكر المعاصر يتجاوز المركزية البشرية نحو أفق يقرّ باستقلالية الوجود غير البشري. ويتبدى هذا في تيارين: المنعطف المادي الجديد، الذي يعيد تعريف المادة بتجاوز قصورها الذاتي الخامد، والنظر إليها بوصفها مادة حيوية ذات قدرة تدفقية وفاعلية تشتبك مع الوجود الإنساني وتؤثر فيه؛ وأنطولوجيا الكائنات الموجهة، التي تذهب أبعد من ذلك عبر إعلان ديمقراطية الكائنات، حيث يُنظر إلى كل موجود، سواء كان ذرة، أو فكرة، أو كارثة طبيعية، بوصفه كيانا مستقلا ينسحب بجوهره عن أي إدراك أو استخدام نفعي. إننا هنا أمام محاولة لفك الارتباط التاريخي بين الوجود والوعي به، حيث العالم شبكة معقدة من الكائنات التي تمارس حضورها الخاص بمعزل عن عين المراقب، مما يفرض علينا سمة التواضع التي تعيد صياغة علاقتنا بالمحيط بوصفنا شركاء في الوجود، لا أسياداً له.

يُقدم نصر سامي في برلتراس التاريخ بوصفه نسيجا ماديا يتعرض للتمزق والقدم والاهتراء، وتنأى الرواية عن التاريخ المادي. ولهذا فإنّ الفلسفة المركزية التي سنعتمدها في هذا التشريح هي إشاريّة المنسوجات، باعتبار أنّ الجسد البشري نفسه ليس إلا قماشاً يُكتب عليه الألم، وتُطرّز عليه الأرقام، ويُنسج من جديد في هيئات حيوانية من أحصنة وبجع وضباع وغيره. إننا أمام نص يفكك المقولة الديكارتية أنا أفكر إذن أنا موجود، ليستبدلها بمقولة مادية مؤلمة: أنا أتمزق، أنا أُنسج، إذن أنا مادة للأرشيف.

هذه الشهادة تسعى لتشريح النص عبر ثلاث مستويات: المستوى الوجودي الذي يدرس تحول الكينونة البشرية إلى مادة نصية وجسدية، والمستوى التفكيكي الذي يهدم مفهوم التاريخ الرسمي لصالح الذاكرة المنسوجة، والمستوى البنائي الذي يعيد تشكيل الهوية عبر السرد المادي.

التشريح الوجودي: الجسد قماشة ألم وأرشيف حيوي:

تنطلق رواية برلتراس من لحظة انزياح أنطولوجي حاد، حيث يفقد الكائن البشري ماهيته العاقلة ليغرق في شيئية محضة. يفتتح النص بتقرير حالة المسخ: “أكثر رجال برلتراس يتحولون إلى أحصنة، ويطيرون، وأغلب النساء يتحولن إلى بجعات”. هذا التحول المجازي الأدبي هو بالأساس تأسيس لواقعية مادية جديدة تُلغي الحدود بين الذات والموضوع.

 * إشارية الجلد أو الذاكرة المنسوجة في اللحم:

وفقاً لمقاربة جينالوجيا السلطة عند ميشيل فوكو، يصبح الجسد في برلتراس مساحة لممارسة السياسة الحيوية. إلا أن نصر سامي يذهب أبعد من ذلك؛ فالجسد هنا يتحول إلى منسوج. الجلد البشري الذي هو في الأصل غلاف بيولوجي يصبح رقّا يُكتب عليه التاريخ القسري. ويتجلى ذلك بوضوح في عملية الترقيم والدمغ، يقول الراوي: “انطبعت أرقام أربعة على مؤخرتي. ورميت في الخارج. الآن أنا إنسان مدموغ. رقم، مجرد رقم، بلا اسم”.

إن عملية الكي والدمغ هي عملية تطريز عنيفة للذاكرة الجماعية على قماش الجسد. وما الرقم 4070، 9011، إلخ إلاّ غرزة تثبت الكائن في نسيج السلطة الغاشمة، وليس مجرّد معرّف وحيد. وهنا، يتحول الألم الفردي إلى خزان للألم الجماعي؛ فالأجساد المدموغة تشكل معاً سجادة ضخمة من القهر، حيث كل رقم هو عقدة في نسيج التاريخ المادي لمدينة برلتراس.

نصر سامي

 * التشيؤ والمنعطف المادي:

بالاستناد إلى أنطولوجيا الكائنات الموجهة لغراهام هارمان، نجد أن النص يساوي بين البشر والحيوانات والأشياء، ونذكر منها: التماثيل والرماد والحجارة. فالراوي يصف تحوله وتآكل أطرافه وكأنه يصف شيئاً يتداعى. يقول الراوي: “بدأت تزحف على نفسه القتامة، وبدأ يسودّ من أطرافه السفلى… سيتحول قريبا، مثل أشجاره، إلى قطع ليل سوداء”. هذا التساوي الأنطولوجي يعيد تعريف الذاكرة في برلتراس فهي إضافة لكونها عملية عقلية هي ذاكرة نسيجية كامنة في المادة ذاتها وفي الرماد الذي يغطي المدينة وفي الأطراف المبتورة التي تتساقط من السماء وفي الريش الذي ينبت في اللحم؛ وكلها خيوط في نسيج الوجود. والنص يقترح أن المادة تتذكر حين ينسى العقل. وحين يقول الراوي: “جلدي في تلك المنطقة صار غليظا بعض الشيء، وفيه تغضنات ملساء محتقنة”، فإنه يشير إلى أن الجلد بنسيجه الحيوي يوثق التحول الذي يعجز الوعي عن استيعابه.

  * الطرس والنسيج النصي:

اسم المدينة برلتراس يحيل، كما يكشف أمجد الشخصية المحورية والأرشيفي، إلى بر الأطراس، والطرس هو الصحيفة التي مُحي ما عليها ليُكتب عليها من جديد. وهذه الإحالة اللغوية تعزز فلسفة النسيج. والرواية نفسها هي عملية حياكة لنصوص الشعر الجاهلي بمفضلياته، داخل نسيج السرد الديستوبي. هذا، وإن استدعاء الشعر الجاهلي محاولة لرتق النسيج المتمزق للكينونة البشرية. والشعر هنا هو الخيط المتين الذي يحاول أمجد والراوي استخدامه لإعادة حياكة الهوية الإنسانية التي تتفسخ وتتحول إلى حيوانية. إنها محاولة يائسة لترميم قماش الوجود المتهرئ بخيوط اللغة القديمة.

ديناميات الهدم: تفتيت وثائق التاريخ:

يمارس النص فعلاً هدمياً عنيفاً ضد مفهوم التاريخ بوصفه سردية عقلانية خطية موثقة. وفي برلتراس، ليس التاريخ إلا ما يُحفر في الأجساد وما يتبقى كنفايات مادية. وليس ما يُكتب في الكتب.

 * هدم المركزية البشرية:

يقوم النص بهدم التراتبية الكلاسيكية (إنسان – حيوان – جماد). ففي عالم برلتراس، الإنسان هو مشروع حيوان، والحيوان هو ذاكرة إنسان، والجماد من تماثيل وحجارة هو مآل الوجود. وهذا الهدم يتجلى في مشهد السوق، يقول الراوي: “في هذا السوق كان الناس الذين لم يتحولوا، يبيعون المتحولين القدامى والجدد، أصل الإنسان ليس القرد، أصل الحيوان الحقيقي هو البشر”.

هذا القلب يهدم فكرة التطور الداروينية أو التقدم التاريخي، فالتاريخ هنا هو حركة نكوص نحو المادة الخام. فالهدم يطال الوجه البشري الذي يعتبره ليفيناس بؤرة الأخلاق؛ ففي الرواية، الوجوه تُمحى، وتتآكل، وتصبح مناقير أو خطوماً، مما يعني هدم الأخلاق المرتبطة بالوجه البشري، واستبدالها بأخلاق القطيع أو سياسة المسلخ.

* الذاكرة المادية ضد الوثيقة:

يرفض النص الوثيقة التقليدية. وحين يحاول الراوي كتابة التقارير، يجد أن اللغة تعجز، وأن التقارير تصبح جزءاً من منظومة القمع. والبديل هو الذاكرة المادية المحفوظة في المنسوجات من ملابس متروكة وجلود مسلوخة، وريش منتوف. يقول الراوي عن روح الفتاة التي تحولت لفرس: “ثمة تحول نهائي، ينسيان وهما معا برلتراس، لكن في عيونهم فقط تحس ألما بشريا دون لغة”. فاللغة تُهدم، وتبقى العين المادة البيولوجية شاهدا وحيدا. إنّ الهدم هنا يطال لوغوس العقل والكلمة لصالح فينوس الظهور المادي. والتاريخ الرسمي للمدينة الذي يكتبه المسوخ الجدد هو تاريخ مزيف، بينما التاريخ الحقيقي هو تاريخ الرماد وتاريخ الأطراف المبتورة.

 * تفكيك الحيز الجغرافي:

يعتبر المكان في برلتراس حالة نسيجية متمزقة. فالبيوت فيها تهجر، وتتحول إلى زرائب، ثم إلى خرائب، ثم إلى غبار. والبيوت في برلتراس تقفر، وكثيرا ما كانت تنبت في تلك الفراغات فزاعات. والمكان يُهدم ليصبح فضاءً أملس بتعبير جيل دولوز، تتحرك فيه القطعان والرياح السوداء بلا حواجز حضارية. والعمارة التي هي نسيج المدينة الحجري تتفتت لتصبح معالف، مما يحيل المدينة من مدينة سياسية إلى معسكر اعتقال بالمعنى الأجامبيني، حيث الحياة عارية ومستباحة.

استراتيجيات إعادة البناء: والقماش بوصفه أرشيفا:

مقابل هذا الهدم العنيف، يطرح النص استراتيجيات خفية ومعقدة لإعادة البناء. هل غرضها استعادة الماضي كما كان؟ لا، لأنها تستهدف نسج كينونة جديدة مقاومة للفناء.

 * النسيج السردي: الشعر خيوط ترميم:

إن الإقحام المكثف والممنهج للشعر الجاهلي، وخصوصا المفضليات يمثل الاستراتيجية المركزية لإعادة البناء. فأمجد والراوي الذي يتقمص شخصية حسن الوزان/ليون الأفريقي في تناص تاريخي لافت)، يقومان بعملية رتق للوعي الجمعي ونتساءل: لماذا الشعر الجاهلي تحديداً؟ لأنه شعر مادي بامتياز، يحتفي بالطلل وأثره المادي والناقة وغيرها من الحيوان الرفيق، والصحراء بفضائها المفتوح، في مواجهة الحيوانية والمسخ والديستوبيا، ويستحضر النص الحيوانية النبيلة والفروسية والناقة والصيد من الذاكرة العربية.

إن إعادة البناء هنا تتم عبر التناص والنسج. فالراوي ينسخ القصائد ويدققها ويحاول أن يعيش من خلالها، يقول: “فتحت لي الكلمات عالما حرمت منه أجيال كاملة في برلتراس”. الكتابة عنده هي فعل مقاومة بيولوجية؛ ومحاولة لمنع الجسد من التحول الكامل إلى حيوان عبر تثبيت اللغة وجعلها حصنا أخيرا من حصون الإنسانية.

 * الجسد أرشيف مقاوم:

رغم التشوهات، تتحول الأجساد إلى أرشيفات. ومثال ذلك شخصية صبح الراوي التي تتحول وتتشوه لكنها تصر على الكتابة، وشخصية أمجد الذي يتحول إلى مسخ ومع ذلك يصر على تدقيق المخطوطات، وهما يمثلان الذاكرة المنسوجة التي تأبى التفسخ. حتى ريمة المرأة المجنحة التي ترفض الطيران، تمثل نسيجاً مقاوماً. وجسدها، بجناحيه المربوطين، هو وثيقة حية ترفض الانصياع لمنطق المسخ الكامل. إنها تحتفظ بالهوية الهجينة كشكل من أشكال المقاومة. وإعادة البناء هنا تعتمد على قبول الهجانة بهدف بناء كائن جديد يحمل ذاكرة الألم ويحولها إلى معرفة، بعيدا عن فكرة العودة إلى الإنسان النقيّ الذي لم يعد موجودا.

 * المادة بوصفها حكايات:

في الفصول الأخيرة، حين يفقد الراوي كل شيء، يصبح هو نفسه الحكاية. يتحول جسده المتقرح، وساقه المبتورة، ولونه الأسود، إلى نص. “أنا حسن، حيا الله حسن. سأكتب كل شيء”. هنا نصل إلى ذروة إشارية المنسوجات: حيث تتوقّف الكتابة عن كونها فعلاً خارجياً يتمّ على الورق، لتصبح فعلا داخليا يتم بالجسد وعلى الجسد. فالراوي يغرف من بئر بلا قرار، وهذه البئر هي مادته الجسدية والذاكرتية. وإعادة البناء تتم عبر تحويل النفايات البيولوجية من دم وقيح ورماد إلى سردية خلود.

الحوار العالمي: برلتراس وحكاية الوقت الحاضر:

عند وضع برلتراس في حوار فلسفي مع رواية روث أوزيكي حكاية من أجل الوقت الحالي، تتكشف تقاطعات مذهلة حول فلسفة المادة.

 * المادة حاملة للزمن والقصة:

في رواية أوزيكي، ينجرف صندوق غداء يحتوي على مذكرات وساعة ورسائل عبر المحيط الهادئ بعد تسونامي 2011، ليحط في كندا. المادة هنا من نفايات وحطام هي التي تحمل القصة، أمّا في برلتراس، فالأجساد المبتورة والريش والرماد والمخطوطات المحترقة هي الحطام الذي يحمل القصة. كلا النصين يتبنيان رؤية مادية جديدة مفادها أنّ الأشياء فاعلة بتعبير برونو لاتور، وليست ميتة، أي أنّ الكائنات غير البشرية والأشياء المادية تمتلك قدرة حقيقية على التوجيه والتأثير تماماً مثل البشر. وفي برلتراس، الأطراس القديمة والمخطوطات عموما لها كرامات، والرماد يتحدث، والرياح تحمل رسائل.

 * الذاكرة والجسد:

إنّ الجسد في رواية أوزيكي موقع للمعاناة والزمن، ومثالها الجدة الراهبة البوذية والفتاة ناو التي تتعرض للتنمر، وفي برلتراس، الجسد موقع للمسخ والترقيم. والفرق الجوهري يكمن في درجة العنف. فعند أوزيكي، هناك محاولة للتصالح مع الزمن؛ أما عند نصر سامي، فالزمن هو طاحونة تسحق الكائنات. ومع ذلك، يلتقي النصّان في فكرة الكتابة التي هي فعل وجود. فناو تكتب لتنقذ نفسها من الانتحار، وحسن وصبح يكتبان لينقذا ما تبقى من إنسانيتهما من التحول الحيواني. والكتابة في النصين هي خيط يربط الذات بالعالم قبل أن تتلاشى.

 * الكمومية والتحول:

تستخدم أوزيكي مفاهيم ميكانيكا الكم لتفسير تداخل العوالم. ونصر سامي يستخدم المسخ، ويجعله معادلا فانتازيا للوجود. وفي برلتراس يكون الكائن موجة وجسيما في آن واحد، ويكون إنسانا وحيوانا، وحيا وميتا، وذاكرة ونسيانا. والشخصيات في برلتراس تعيش في حالة تراكب كمي وجودي؛ فهم بشر ومسوخ في اللحظة ذاتها، حتى يحسم الراصد ممثّلا في السلطة أو الموت مصيرهم.

خاتمة استشرافية:

تخلص هذه الشهادة إلى أن رواية برلتراس تمثل وثيقة فلسفية حول مصير الكينونة في ظل أنظمة المحو الشامل، وفيها احتفاء غامض ومؤلم بالمادة التي تبقى بعد فناء الإنسان. إن إشارية المنسوجات في الرواية تكشف أن الوجود عبارة عن نسيج هش، وأن الألم هو الإبرة التي تخيط هذا النسيج، وأن الذاكرة هي الخيط الذي يحاول الحفاظ على تماسك اللوحة. لقد انتقل نصر سامي من سردية الهوية إلى سردية المادة، مقدماً الرماد واللحم الموشوم بوصفه شكلا أخيرا للحقيقة.

في النهاية، يعلمنا نص برلتراس أن الكتابة هي المحاولة الأخيرة لنسج الكفن الخاص بالحضارة، أو ربما، لنسج أجنحة جديدة من بقايا المخطوطات القديمة التي تتجاوز كونها في الأصل وسيلة للطيران والهروب، لتصبح آلية للتحليق فوق الخراب ورؤيته بوضوح، كما فعل الراوي في لحظاته الأخيرة. إنها رواية تؤسس لدراسة الرماد، والنظر إلى الكيفيات التي يُعاش بها الشعور به في التجربة الذاتية، حيث كل ذرة غبار هي قصة لم تُروَ، وكل ندبة في الجلد هي فصل في كتاب الوجود المفتوح على العدم.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.