رؤية السمكة

0 1٬315

أنيس الرافعي-قاص مغربي

  1. الأزرق:

القصة بالضبط هي كالتالي: تحت سماء صافية وزرقاء لنهار طقسه صحو،  تظهر مقدمة قطار أول وصل لتوِّه. ثمة رجل سوف يترجل منه. لا نلمح منه سوى أقدامه التي تجتاز باحة طويلة،  وتحث الخطى صوب أسفل السلم الكهربائي الذي يقود إلى بوابة مغادرة المحطة. وقع أقدامه وهو ينجز هذا الدور يجب أن يتم وفق إيقاع موسيقى طانغو كلاسيكية. يحدث قطع،  ثم نقرﺃ على يافطة تقع في منتصف الباحة عبارة “يمنع منعاً كلياً عبور السكة “. ومباشرة،  نبصر مشهداً طولياً لقطار ثان متوقف منذ مدة في الرصيف المقابل للقطار الأول،  وسوف ينطلق بعد دقيقة واحدة. يحدث قطع آخر، ويتم الانتقال إلى أعلى السلم الكهربائي،  حيث تتقدم امرأة تتأبط ذراع زوجها. فجأة،  كما لو أن الزمن توقف يتم إبطاء إيقاع الصورة إلى حده الأقصى. المرأة وزوجها ينزلان تبعاً لهذا الإيقاع دون أن نستطيع تبين ملامح الزوج. وأقدام الرجل، الذي ينجلي وجهه الآن، تشرع في الصعود تبعاً لذات الإيقاع. يصبح المشهد سريعاً في نقطة التقاطع بينهما عند منتصف السلم الكهربائي،  والطانغو يمسي على أشده.

نظرة الرجل ترتطم بنظرة المرأة، ثم يتباعدان في اتجاهين متعاكسين. صورة خلفية للمرأة وزوجها وهما يستقلان القطار الثاني. لقطة مكررة لعبارة ” يمنع منعاً كلياً عبور السكة “،  ثم لقطة أمريكية للسماء..ويغرق القطار المنطلق في اللون الأزرق الشامل.

  1. الأحمر:

رويدك، رويدك يا قلبي، فما أظنني قادرة على ملء الفجوة بين انتظار أن ينطلق القطار، وتلك النظرة التي ارتطمت بي قبل حين. رويدك، فتلك النظرة لم تكن قوساً هارباً من حرب الغابة. رويدك، فتلك النظرة رجل وحقبة وجيل وعمر بأكمله. رويدك، فتلك النظرة أيام قادمة ماتت لتوها بين يدي. رويدك، فتلك النظرة نسيم ذوى وعبير فَنِي وقصَّة أمس، صّفر لي فوقف الرقص خارجي شحاذاً لم يستطع أن يدخل. رويدك، فتلك النظرة هبة ريح مباغتة أسقطت مظلة الحسرة مني. رويدك، فتلك النظرة سحبت مني بقية من أوكسجين أعرج ما عاد قادراً بعد الآن أن يسعفني. رويدك، فاللوم يضربني يضربني على قفاي. رويدك، فبيّ الاعتذار، بيّ الرجوع،  بيّ الحنين، بيّ العناق، بيّ جوع ذئبة لملايين القبل من شفاه هذا الرجل الذي صحح في لحظة غلطة الكحل في عيني،  وجعلني ﺃتكئ من جديد على صقيع الذكرى التي مضت منذ عشر سنين. رويدك، حتى ﺃلعن كما يجب هذه السماء وهذه المحطة. هذا الصباح وهذا السلم. رويدك، حتى أحدثك عن واجب أن لا أتواجد هنا. أن لا يصطادني المكان، رفقة هذا الزوج. عن واجب أن لا ﺃندس كالقطة المبتلة في معطفه. أن لا ﺃضغط على ذراعه عند هبوب النظرة عليّ كأني أحمي الآخر من البرد، من أن يتهشم كرقبة الحبق بين قبضة نزيهة. عن واجب أن لا يصبح وجهي في لحظة ناعمة كهاته قناعاً من ذلك النوع الذي يضعه الممثل في مسرح “الكابوكي” . اللعنة على “الكابوكي”. لا ملامح. لاتعابير. لاحزن. ولافرح. الأداء برمته يتركز في بؤرة العينين. وعند بلوغ قمة الأداء، تصبح العينان بلون الدم. رويدك،  كي ﺃفهم لماذا لم نتلامس مثل سنبلتين في حقل بعيد. رويدك، كي ﺃفهم لماذا كنا كالزمن؛ يمر ولا يقول شيئاً. رويدك، كي ﺃفهم أنني الآن شيء مغلق، وﺃن هذا الرجل لن يمتد إليّ بعد الآن كما يمتد السحاب إلى السحاب. رويدك، كي ﺃفهم أني الآن مثل الرماد وقد تولى الساهرون وخلفوا آثاره، وﺃن هذا الرجل برمته..أن هذا الحب برمته مركب محمل بالحجارة، مرغماً عن الضفة ابتعد..كان يبتعد..سوف يبتعد إلى الأبد. رويدك، رويدك يا قلبي…

  1. الأبيض:

ووجدتني خارج محطة القطار ﺃبكي. بكيت لأنني أحببت بشدة كلّ الطرق..كلّ الشوارع..كلّ الأزقة.. كلّ المنعطفات التي أبعدتني عنك، ولن تعيدني قط إليك. بكيت ﻷن الطرق كلّها…الشوارع كلّها.. الأزقة كلّها…المنعطفات كلّها كانت في كلّ خطوة تبدد خُلوِّي منك. بكيت لأنك صرت ﺃبعد من الأسف. بكيت ﻷن يومي لن يهاتف بعد الآن غدك. بكيت ﻷن انكساري ما عاد يقبل أن أصلحه بالقليل من الملح. بكيت ﻷن كلّ الخيوط التي كانت تحزم أوجاعي انقطعت. بكيت لأنني فقدت إلى الأبد أن أقول لك همساً “يا عذبة الريق،  دفنت أجمل النساء فيك”. بكيت لأنني فقدت إلى الأبد أن ﺃسمع منك همساً “مت في المساء،  وفي الصباح سنلتقي. مت في الشتاء، وفي الربيع سنلتقي”. بكيت ﻷن فراقك لم يعد ﺃبيض ﺃبيض كحنان الضماد. بكيت؛ لأنني بلا ريب ﺴﺄبكي، فيما بعد ﺃقلّ عليك. بكيت؛ لأنني بعد اليوم سأفقد كلّ حزني عليك؛  ولم ﺃعتد بعد على فكرة أني سأفقد حزني كلّه عليك. حزني عليك هذا الذي نام فيّ طويلا كدب قطبي. حزني عليك هذا الذي سيتعين عليّ أن أوقظه غداً. حزني عليك غداً هذا الذي سأستعجله للنهوض. حزني عليك غداً هذا الذي سآخذه من مكانه إلى الحمام. حزني عليك غداً هذا الذي سأغسل وجهه. حزني عليك غداً هذا الذي سأحلق ذقنه. حزني عليك غداً هذا الذي سأشذب شاربيه. حزني عليك غداً هذا الذي سأصفف شعره. حزني عليك غداً هذا الذي سأرشه بالعطر. حزني عليك غداً هذا الذي سأعد له كأس ليمون طبيعي. حزني عليك غداً هذا الذي سأمده بسيجارة شقراء. حزني عليك غداً هذا الذي ﺴﺄمحضه قميصاً وربطة عنق وبذلة من ملك يمين دولابي. حزني عليك غداً هذا الذي قال لي عند الباب: وداعا يا صاحبي، لم يعد عندي ما أقدمه لك…لم يعد عندي مايمكن بعد اليوم أن تأخذه مني.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.