في معنى الدم الكربلائي “الطازج”
أتعبثُ بالنسق المعتادِ للنوح؟ لكنكَ قبل ذلك كنتُ تعبث بذاتك، تحثها على التباكي حتى لا تجف أو ربما تنسى. قال ذلك وأنا أنزف من الداخل تُرعبني العيون الجاحظة من القماشة السوداء أمامي. يرعبني انتمائي المؤرخ بالولادة واسألني هل أنا كفءٌ لهذا الانتماء أم أنني مجرد وريثٍ لمقام النوح العذب هذا؟ لكنني وبعد انفلات العمر وتقطع السُبل والتجارب العبثية، تيقنت أن هذا النوح لم يكن صدفةً أو تعاطفاً بالوراثة، بل معنىً سامٍ شريف للتحولات البشرية على هذه الأرض إنه إعلانٌ صاخب لما تعنيه ” الكلمة”.
يقول عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحيته “الحسين ثائراً”:
“أتدري ما معنى الكلمة ؟
مفتاح الجنة في كلمه
ودخول النار على كلمة
وقضاء الله هو الكلمة
الكلمة – لو تعرف حرمه – زاداً مذخور
الكلمة نور وبعض الكلمات قبور
بعض الكلمات قلاعٌ شامخات يعتصم بها النبل البشري
الكلمة فرقان ما بين نبيٍ وبغي
عيسى ما كان سوى كلمة
أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين
فساروا يهدون العالم
الكلمة زلزلت الظالم
الكلمة حصن الحرية إن الكلمة مسؤولية”
إن الكلمة الباسقةَ منذ زمنٍ طويلٍ سبقتْ الزمان ثمَّ تكرر صداها حتى يومنا هذا. إننا إن نبكِ إنما نبكي على أنفسنا.
كان الحسينُ حلماً باسقاً يومها فتناهبته الدموع. فَعلتْ ما بوسعها لإيصال الكلمة. إنّ في البكاء شجاعة.
إنها الظفر بالممكن من احتمالات الحياة والمروية الأولى للحزن الذي خُلِقَ ليخفف حزن العالم كل العالم. هذا دمٌ لا ينسخُ نفسه دمٌ يُنْجب دماً لئلا تذبلُ العيون أو تجفَ الأرواح.
لقد أقبلَ والحياةُ تتكئ على كتفه فانهار الكون المختبئ تحت ردائه. أقبلَ ليؤجل الغروبَ، الشمسُ قابعةٌ في عينيه لم يستطع السراب جذبها لكن القوم اغتاظوا كانَت الشمس في عينيه تقلقهم فمزقوا عينيه شحذوا نصالهم وانتقموا للشر.
غرسوا النبال في حدقتيه ثم ضحكوا كثيراً لقد كان وحيداً، ضجروا من وحدته من فردانيته.
لقد هشموا يديه الممتدتين نحو السماء كانت أظافرهم طويلةً وصلبة غرسوها في يديه أكثر من مرة كانوا يُصرّون على الحجر أن يضربه، أغمضوا عيون الحجر وصوبوه فانفتق جرحٌ جديدٌ في جبينه. صار جبينه أحمراً أحمراً تفجر ككوثر لكنهم لم يكترثوا.
هاجموه بشراسة هاجموه بكل ما احتد من سيوفٍ ونبالٍ وحجر. فقدَ توازنه، سقط أرضاً فاحتدت أنيابهم، كان صدرهُ أبيضاً فيه بياضٌ لم يعتده سواد نواياهم فعكفوا على تقطيعه بل تجزأته لقطعٍ صغيرة وهو يتأوه وشفتاه ذابلتان فيهما من الشقوق بفعل العطش ما يستعطف الأرض والسماء وسكانهما.
هذا والدماءُ تسيل من جميع جسده المنهك، المتورم والدماء تسيل تسيل… ثم أمسكوا برأسه شحذوا خناجرهم، سيوفهم وغضبهم. أمسكوا بشعره، قذفوا رأسه للأرض مراتٍ عديدة فمرةً يسقط على حجرٍ ومرةٍ على الرمل الحارق وفي المرة الأخيرة قذفوا بوجهه على الأرض كان وجه جده النبي في عينيه يؤرقهم.
أمسكوا بالرأس بعد أن تقاسموا أعضاءه، بتروا أصابعه، ثقبوا منحره ثم أنهم قسموه من المنتصف تماماً ليذكر أباه.
قالوا: لم نتمكن من رؤية وجهه كان الرملُ يحاصره وأعيننا ملبدةٌ بالغبار
:وكلُّ هذا الضوء؟ هذا الضوء المعتفر بوجهه ألم يمكنكم من النظر للحظة؟
قالوا: لا، لقد أفلت السيف ولم يخشَ الضوء
ثمّ أنهم علقوا رأسه بالخيل وأمروها بالمشي ثم الدوسِ والاستعراض ثم الركض على جسده لتسلخ جلده وتحفر خنادقاً واسعةً في صدره وبطنه والخيلُ إذ ذاك منتبهةٌ لصوت حوافرها المرصعة بالحديد تتقاسم أضلاعهُ وترفسُ أعضاءه.
كان قلبهُ منشغلاً بالصوت الخافت بجانبه “أن قُم قم ولو للحظةٍ واحدة، أودعك فيها وأنت تعلم أنني أخاف هذا الوداع القسري فعُد عُد ولو قليلاً يبن أم”
كانت أخته تحاول تضميد ما تستطيعه تشدُّ جرحاً فينفتح جرحٌ بصدرها مرةً وبجلدها المنزوع جراء الضرب مرة ،وهو يعالج الموت.
مذ ذاك والدم طازجٌ والسيف شرهٌ لا يعيقه الضوء عن الإيقاع بأحد. مذ ذاك والحسينُ يعود لكنه يعود مبتسماً ونعود مفجوعينَ مكلومينَ محاصرينَ بالذنب مرة وبالدم مرة وبالنوح مرةً تلو مرة.
يتصعدُ النوحُ ليكبرُ الشجن فينا لنُقاسم هذا الكون الواسعَ بعضَ الرحمة المتمثلة في كلمة الحسين.
لقد كبرُ فينا هذا البكاء وكبرنا به إننا نلوذ به نغرق نغرق ثم يستنقذنا. يقول العائدون إلى البكاء: لقد انتظرنا حتى أنكرنا ذواتنا المنغمسة في الحياة.لقد كتمنا الكثير من المواجع التي تبدو تافهةً في رحابك والآن نعتق أنفسنا نهبها للبكاء فقط.