التناول المكاني في الدراما السعودية قراءة مقارنة بين شارع الأعشى وخيوط المعازيب

ورشة فن -تلفزيون

0 123

- Advertisement -

الدكتور مرزوق بشير بن مرزوق – قطر*

شاهدت مسلسل “شارع الأعشى” في نسختيه، ثم جاء “خيوط المعازيب” فأدركت من الحلقات الأولى أن هناك فارقاً جوهرياً لا يتعلق بجودة الإنتاج، بل بطريقة كل عمل في التعامل مع المكان والشخصيات.
“شارع الأعشى” يعيدنا إلى حي منفوحة في الرياض السبعينيات. نتابع عزيزة وهي تحلم بعالم أوسع، ووضحة التي تعاني من القيود، وعطوة التي تحاول إعادة اختراع نفسها. المسلسل يرصد لحظة حين بدأت الرياض تتحول حين وصل التلفزيون إلى البيوت وتصادمت الأحلام الفردية مع القيود الاجتماعية. “خيوط المعازيب” يأخذنا إلى عالم مختلف تماماً. الأحساء في الستينات، لكن الحكاية نفسها ولدت من صناعة البشت، من ورش الحياكة والعلاقات الاقتصادية والديون.
لم يعد المكان في الدراما الحديثة مجرد إطار جميل. المكان الحقيقي هو الذي يفرض قيوده على سلوك الشخصيات، الذي يجعلها منتجة منه وليس مجرد ساكنة فيه.
في “شارع الأعشى”، المكان يعمل كذاكرة مجتمعية حية. الشارع مساحة التقاء حقيقية حيث تنتقل الأخبار من باب إلى باب. عزيزة تعيد الحارة إلى ذهنها من خلال الأفلام المصرية والأغاني على التلفاز. هناك مكانان إذاً: منفوحة الواقعية والعالم المتخيل. لكن المسلسل يميل إلى الحنين والتجميل. الصورة دافئة جداً، التفاصيل تجعل الحي أقرب إلى استدعاء رومانسي منه إلى تسجيل محايد.
أما “خيوط المعازيب” فيتعامل مع المكان بطريقة عضوية. الأحساء ليست خلفية، بل هي التربة التي نمت منها الحكاية. الحرفة جمعت سلطة المعزب وماله، وحرفة الحائك، وطاعة الصبي، وديون المدين. من داخل هذه الشبكة الاقتصادية جاء كل صراع. أبو عيسى لا يملك سلطته من قوته الشخصية فحسب، بل من ملكيته للورشة والقدرة على التحكم في حياة الآخرين. فرحان لا يمكن فهم تمرده بعيداً عن الورشة. حتى العنوان “الخيوط” يشير للحرفة والعلاقات المتشابكة معاً.
اللهجة ذاتها مكان. في “خيوط المعازيب”، الحساوية عنصر بناء درامي. وجود ممثلين من المنطقة أعطى الحوار مصداقية واضحة. المفردات مرتبطة بالمهن والعادات ومراتب المجتمع. “شارع الأعشى” اعتمد اللهجتين النجدية والبدوية، لكن بتفاوت ملحوظ في الإتقان.
في “شارع الأعشى”، الشخصيات الفردية تتقدم على المكان. نتابع أحلام عزيزة وكيف تواجه حدود الحارة. الشخصيات حاملة للحلم الذي يتجاوز القيود. في “خيوط المعازيب”، الشخصيات معرفة من خلال وظائفها الاقتصادية. أبو عيسى ( المعزب صاحب السلطة. الحائك الحرفي التابع. الصبي المبتدئ. بعدها الاجتماعي أكثر حضوراً من الطموح الفردي.
السؤال النقدي البسيط: هل يمكن نقل الحكاية من مكانها من دون أن تنهار؟ في “شارع الأعشى”، بعض الخطوط مرتبطة بمنفوحة والسبعينات. لكن قصص الحب والزواج كان يمكنها أن توجد في أي بيئة خليجية أخرى. “خيوط المعازيب” مختلف تماماً. لا يمكن نقلها من الأحساء. صناعة البشت والعلاقات بين المعازيب والحائكين — هذا صلب الحكاية نفسها. وهنا يظهر الفارق بين عمل يستخدم المكان ليمنح الحكاية هويتها، وعمل تنشأ الحكاية نفسها من داخله.
“خيوط المعازيب” حافل بتفاصيل ثقافية أصيلة. اللهجة والأغاني والمجالس والأطعمة ، أصبحت جزءاً من الحياة اليومية. أحياناً يميل المسلسل إلى الإكثار، كأنه يريد إثبات الهوية الأحسائية في كل لقطة. لكن العلاقة بين الحكاية والمكان تبقى متماسكة لأن الصراع ينبع من البيئة الاقتصادية نفسها.
يحدث تحول في الدراما السعودي: الانتقال من الأمكنة العامة المبهمة إلى الأمكنة المحددة. “شارع الأعشى” أعاد بناء ذاكرة حي وربطها بأحلام النساء. “خيوط المعازيب” قدم الأحساء باعتبارها مجتمعاً منتجاً للحكاية. هذا كشف التنوع داخل المجتمع السعودي.
إذا أردنا جمال الصورة والشخصيات المؤثرة، فـ “شارع الأعشى” قوي. لكن إذا كان المعيار هو اندماج المكان في الحبكة والصراع، فـ “خيوط المعازيب” أكثر نضجاً. لا يمكن فصل الشخصيات عن الحرفة، ولا الحرفة عن الاقتصاد. المكان ينتج الصراع.
في “شارع الأعشى” نتذكر المكان من خلال الشخصيات. أما في “خيوط المعازيب”، فالمكان ذاته هو الذي يصنع الشخصيات ويحدد مصائرها. وهذا يمنح “خيوط المعازيب” أسبقية نقدية في توظيف المكان داخل الدراما السعودية المعاصر
*كاتب وباحث في الدراما والإعلام
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.