لماذا لم يعُد الأدب الروسي حَدَثاً بارزاً؟ *

0 113

- Advertisement -

بقلم: أوليغ غريغوريف

ترجمة: تحسين رزاق عزيز

    ثمة أسئلة تكون الإجابة عنها سهلة ومحبطة في آن واحد. على سبيل المثال: هل يقرأ الناس في روسيا هذه الأيام؟ بالطبع يقرأون؛ فسوق الكتب تفيض بالسيولة المالية، ودور النشر تطرح مئات الآلاف من العناوين، والأسواق الإلكترونية تغص بالطلبات، ومهرجانات الكتب تكتظ بالحشود لدرجة يصعب معها التحرك من شدة الزحام.

    ولكن، إذا كان كل شيء رائعاً إلى هذا الحد، فلماذا تلاشى الشعور بالانبهار؟ ولماذا، وسط هذا العدد الهائل من الكتب، توقف الأدب بحد ذاته عن كونه حدثاً مهماً في البلاد؟ هناك وفرة في الكتب، وبحر متلاطم من النصوص، ومع ذلك لا وجود لحدث حقيقي.

    في زمن مضى كان صدور رواية جديدة لتولستوي أو دوستويفسكي (ولاحقاً لتريفونوف أو شوكشين) لا يمثل مجرد «طرح لنتاج جديد»، بل كان بمثابة انفجار ثقافي. ربما لم يقرأ الجميع الكتاب، لكن كل من يمتلك القدرة على التفكير المستقل ناقشه وتجادل حوله؛ فالأدب كان يصيغ المعاني، ويصطدم بالسلطة، ويغير مسارات الحياة.

أوليغ غريغوريف

    أما اليوم، فأيّ كتاب رائع يُطرَح مباشرةً في محيط هائج من المحتوى؛ فيغرق فوراً ليتيه وسط مقاطع «تيك توك»، والمسلسلات التلفزيونية، والبودكاست، وكمٍّ هائلٍ من الكتب الأخرى. فعلى مدى ربع القرن الماضي، انخفض متوسط ​​عدد النسخ المطبوعة للكتاب الواحد في روسيا بمقدار مرَّتَين ونصف؛ إذ باتت أكثر من نصف الكتب المنشورة تُطبَع بأعداد تقل عن ألف نسخة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: تُنشَر أعداد هائلة من الكتب، ومع ذلك يزداد كل كتاب منها خفاءً وتوارياً عن الأنظار. فالأدب يشبه رجلاً يدخل ساحة عامة ليقول شيئاً جوهرياً، ليكتشف أنّ كل فرد في الحشد يمتلك ميكروفونه الشخصي.

    الأمر لا يقتصر على الإنترنت؛ فالاقتصاد نفسه قد تغير. اليوم، تُشتَرى الكتب غالباً عبر الأسواق الإلكترونية، بينما تتلاشى متاجر بيع الكتب التقليدية الدافئة. ومع ذلك، فإن الخوارزميات التي تستخدمها منصات البيع مثل «وايلدبيريز» (Wildberries) أو «أوزون» (Ozon) تعمل بأسلوب يختلف تماماً عن أسلوب بائع الكتب المستعملة العجوز الحكيم؛ فالخوارزمية لا تسأل: «ما الذي سينقذ روحك؟»، بل تسأل: «على ماذا ستنقر الآن؟».

    الأدب يتطلب وقتاً وصمتاً؛ فالرواية الجيدة قد تستغرق سنوات لتنضج، في حين يتطلّب السوق ضجة فورية. الكُتّاب اليوم ملزمون بأن يكونوا مدوّنين، ومسوقين، وسفراء لعلامات تجارية، وفنانين استعراضيين. وأحياناً، يبدو أنّ الكِتاب قد تحول إلى مجرد سلعة ترويجية، أو ملحق لصورة المؤلف الذي يتصدر المشهد الإعلامي.

    من الحماقة التذمر والادعاء بأن «الماضي كان أفضل حالاً»؛ فما زال لدينا اليوم الكثير من المؤلفين البارعين، أمثال يفغيني فودولازكين، وغوزيل ياخينا، وزاخار بريليبين، ورومان سينتشين، وأليكسي فارلاموف. لا تكمن المشكلة في أنّ الناس نسوا كيف يكتبون، بل في تلاشي المساحة المشتركة للحوار. ففي الماضي، كانت هناك «المجلات الأدبية الرصينة» وبرنامج تلفزيوني يتابعه الجميع، أما اليوم فقد تفتت الجمهور إلى آلاف المجموعات الصغيرة من المعجبين؛ إذ قد يحصد مؤلفٌ مليون مشاهدة، بينما يكتفي آخر بخمسمائة قارئ مخلص. ولا يستطيع النظام الرقمي التمييز بين العبقري وبين من يتقن فقط إنتاج مقاطع فيديو قصيرة (Reels)؛ فكل ما يتقنه هو عدّ النقرات.

    لكن تاريخ الأدب قاسٍ لا يعرف الرحمة؛ فهو لا يكترث بقوائم المبيعات. لم يكن تولستوي مجرد استراتيجية تسويقية، ولم يقِس باسترناك نجاحَه بعدد علامات الإعجاب. فالأدب يبدأ حين يبدع المرء شيئاً لا يمكن قياسه بمعايير مالية.

تحسين رزاق عزيز

    لا توجد مأساة هنا؛ فمن السابق لأوانه دفن الكِتاب. الناس لا يزالون مستعدين لدفع نقودهم مقابل الحصول على النسخ الورقية، والقراءة عبر الشاشات، والانضمام إلى النوادي الأدبية. لم يمُت الأدب، بل فقد ببساطة احتكاره لاهتمامنا. ولعل في ذلك خيراً.

    الآن لم يعد يكفي الكاتب أن يكتب نصاً جيداً فحسب. على الكاتب اليوم أن يعيد إحياء شعورٍ طواه النسيان: ألا وهو أنّ الكِتاب ليس مجرد سلعة، إنما هو حوارٌ لا يحق للمرء أن يفوّته.

    ما نحتاج إليه مجدداً ليس قوائم المبيعات، إننا نحتاج إلى نقاشات حقيقية، لا تقتصر على عروض التقديم. نحتاج إلى فعاليات تُحدث تحولاً في عقولنا. فالكتاب مجرد وعاء من الورق أو البكسلات، أما الأدب فهو ما يغيّر وعينا.

    ومن بين مئات الآلاف من الكتب المنشورة، لا بد أن تبرز أعمالٌ نعجز، بدونها، عن فهم حقيقتنا وفهم العصر الذي نعيش فيه. وعندها فقط، سيعود الأدب.

* نشرت هذه المقالة بتاريخ 18 سبتمبر 2026، في العدد 37 (سنة 2026) من جريدة ليتيراتورنايا روسيا (روسيا الأدبية)

https://litrossia.ru/item/pochemu-russkaya-literatura-perestala-byt-sobytiem

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.