يحيى البطاط-العراق-سماورد
عندما أنجز بيكاسو لوحته الشهيرة (الجورنيكا) في عام 1947، وقف العالم كله على قدميه، وهو يصغي إلى صرخة الحصان الجريح في صدر اللوحة،.. كان يتعذب، ويوشك أن يقفز خارج الإطار. بسبب تلك الصرخة استيقظ البشر على المشهد المروع للألم. ومعها اكتشفوا بلادتهم، مثلما تيقنوا من عبقرية بيكاسو.
الحرب أزمة كثيفة، فاقعة، وعارية من الزيف، لا تهدد حياة الكائن الفرد فحسب، بل تمس حياة الجنس البشري برمته، تضع المستقبل على المحك، وتصبح الحياة في أتونها مجرد نبض آخر لديمومتها. مزيد من الحطب لمزيد من اللهب، هكذا تبدو حكاية التطور البشري وهي تغذ السير نحو نهايتها. حرب إثر حرب وما بينهما مجرد استراحة قصيرة لالتقاط الأنفاس.
في العراق، وعبر أزمان فلكية لم يكن ثمة متسع للاسترخاء، كانت الحروب تتلاحق الواحدة تلو الأخرى في مسلسل لا نهاية له.
كل الحضارات التي قامت هنا، أو مرت من هنا، هي حضارات جيوش، وليست حضارات أناس مسالمين، لذا فإن معظم ما تخلف لدينا من فنون سيتسم بسيماء الحرب. مدننا هي الأخرى ليست مدنا، بل هي قلاع، ومعسكرات لترفيه الجنود، وواحات لاستراحات قصيرة.. سومر وبابل وأكد ونينوى، والبصرة والكوفة وبغداد، نشأت كمعسكرات لتجميع وتذخير الجنود من أجل زجهم في حروب جديدة.
عندما أنظر الآن إلى المشهد التشكيلي العراقي المعاصر، أصاب بحيرة، ليس فقط بسب تنوعه وتعدد مشاربه، بل بسبب قدرته على استنطاق الأزمة، وإشهار المفاجأة في أية لحظة، حتى أنني أشعر بالعجز عن إدراك الصورة الكاملة لهذا المشهد.. وقد فاجأتني الصديقة مريم عبدالله بآخر اكتشافاتها العجيبة عندما أرسلت لي بعض لوحات الفنان العراقي (أياد القاضي) وطلبت مني أن أكتب شيئا عنه.
أياد القاضي، وبجدارة، ابن بار للحرب، لا كمحارب على جبهات النار، بل بوصفه الرائي الذي أمسك بقبس من لهبها.
بمزيج مدهش من الحروفية والتعبيرية، يقدم القاضي لوحة، تنتمي لمنطق الأزمة. لوحة لا يمكن للمشاهد أن يغفل التوتر البصري الذي تتركه في نفسه. القسوة والعنف يتسللان بهدوء، كما يتسلل الماء إلى جذور شجرة عطشى.
لا يخلو الأمر أيضاً، في لوحات هذا الفنان، من سخرية مبطنة، يبقى أثرها طويلاً، ومحفوفا بابتسامة تنزف أسى.
لوحته تقترب من البوستر السياسي، أو الثقافي، لذا تأتي محملة بالشفرات والرسائل. القاضي لا يرسم ليطربنا، بل يرسم ليستفزنا، وينكأ فينا جراحا أصبحت أليفة من فرط تكرارها.
يستخدم الفنان في عمله خامات متعددة،.. مزيج من الفوتوغراف والكولاج، وورق الجرائد، مع مساحة عريضة من الخامات اللونية التقليدية. ويولي اهتماما كبيرا بنسج تفاصيل عمله بسلسلة غير من منتهية من الخطوط العربية.
إن الخط في جملة أياد القاضي التشكيلة، يشكل نسيجاً بصرياً حياً يمنح أعماله طاقة تعبيرية عالية، ويسبغ عليها فرادة لا تخطئها العين. فالإنشاء الزخرفي الذي يميز عادة اللوحة الشرقية، يستعيض عنه القاضي بجملة حروفية طويلة، تقطع الطريق على الفراغ القاحل الذي كان يمكن أن يستحوذ على مساحة اللوحة.
حتى الشياطين لن تجد خرم ابرة لتتسلل منه.
إنه يحمل لوحته بزخم حروفي وهاج وقوي، ليشكل من عناصرها مجتمعة مشهدا يلعب على أوتار الهوية وأزمتها. فليس سوى الحرب من يشحذ أسئلة الهوية.

ولد القاضي في العراق عام 1971 وأمضى الشطر الأول من حياته متنقلا بين بغداد والامارات العربية المتحدة وانكلترا. He received his Masters in Fine Arts from Tisch School of the Arts of New York University. قبل أن يحصل على الماجستير في الفنون الجميلة من كلية تيش للفنون بجامعة نيويورك.After moving out of Iraq to seek a more prosperous career, he settled shortly in Amman, Jordan where he had exhibited art works at Orfali Gallery. عرض الكثير من أعماله في الإمارات والأردن وبريطانيا ونيوزيلندة والولايات المتحدة.
في السياق العام لحركة التشكيل العراقي المعاصر، منذ انطلاقها أول مرة في أربعينيات القرن الماضي على ايدي مجموعة من الشباب الذين نهلوا من التجارب الأوربية، وحققوا قراءة موضوعية لموروثهم الثقافي والبصري القادم من السومريين والبابليين والآشوريين. إضافة إلى معرفتهم العميقة بما حققته الحقبة الإسلامية من منجزات تشكيلية. في هذا السياق يقف القاضي في منطقة آمنة تماماً، فهو لا يغامر كثيراً في تجربته إلى حد القطيعة مع متلق تدربت عيناه على تجارب ورثها وعاشها في محيط يزخر بالزخرفة والحروفية، ويحتفي بالخطابات الغنائية المباشرة.
أتقن أياد القاضي اللعبة الفنية، وأدرك مساراتها الغامضة، وتعلم كيف يطرح أسئلته الحارقة، ويصرخ بلا حنجرة.
يمكن زيارة موقع الفنان إياد القاضي:
• تركها بعد حرب الخليج الأولى إلى عمّان.
• جال بمعارضه الشرق الأوسط وأوربا والولايات المتحدة.
• يتمحور عمله الفني حول أساليب وقوالب خاصة تقوم على الشعر والنثر ومزجه بالتشكيلي والحروفي والخط العربي.
• رسم في لوحاته نظرته التي جمعت سياسة الشرق وثقافة الغرب.
• صور الدين و الحجاب الذي يغطي المرأة بالكامل حتى وجهها بلفته، غابت عن فنانين عرب يعيشون في قلب هذه التقاليد.
• بعض هذه اللوحات شخصية للغاية حيث رسم بورتريه لنفسه بين تأثره وعكست وجوده بين الحضارتين.
• ظهرت الحرب على العراق في أعماله بكل ما تحويها من ألم.
• لن نكتب عن أياد القا ضي الكثير “حين تتحدث اللوحة”.