وهم

0 455

أحمد إسماعيل زين -السعودية

كنت أسمعه كلما مررت بجوار ذلك السور القديم المتهالكة جدرانه؛ سور موحش صار سكنًا للعديد من الوجوه. كنت، في السابق، أعتقد أنه سكن للوجوه المرصعة بالمرض، والأجساد التي ملت طول البقاء رغم تمسكها بالوهم!!

ذهبت إلى عملي. وجدت كل الشفاه تصطنع الابتسام تفاؤلًا بصباح مشرق.

بدأت معدتي تزمجر جوعًا؛ فنزلت إلى (البوفيه) المجاورة، جلست ووضعت علبة سجائري أمامي.

رأيت وجهي في مرآة تزين صدر (البوفيه): تمر عليها الوجوه وتختفي وصورتي تتوسط تلك المرآة!!

رحت في ثرثرة عميقة مع نفسي.

فجأة، رأيت صورة أحد الأصدقاء محل صورتي في المرآة، حاولت أن أعرف كيف أتت؟! ومتى؟! ولماذا؟!!

مددت يدي إلى علبة السجائر، وبدأت أنفث دخانها في الهواء، لعلي استرجع صورتي في المرآة، أو اعتم صورة ذلك الصديق، ولكن صورته تحدت كل أسئلتي! وقلقي!! وأنفاسي المتهالكة المدخنة!!! وسمعت النداء نفسه مرة أخرى آتيًا من خلف السور الموحش، يسألني: منذ متى وأنا أناديك؟!

سبق إجابتي، ما تبقى من دخان محشور في صدري المولع بنانته:

ــ لا أدري. فمنذ ولدت، وأنا أسمع نداءك! في البيت والشارع والمدرسة والعمل، حتى في نومي وأنا اسمعه!!  ماذا يريد منى؟ لماذا لا يتركني وشأني ؟!

ــ هل مللت مني؟

ــ لا. ولكن كرهت تكرار ندائك!!

ــ لماذا؟!

ــ أريد الشعور بالانعتاق …

ــ حاول أن تجد حلاً آخر!

ــ إذًا، أصم إذني عن سماعك؟

ــ لا تستطيع؛ إلا في حالة واحدة !!!

تذكرت حينها السور المهمل ووحشته … وبكيت … وعدت إلى ثرثرتي مع نفسي …

ــ هل ستبكي على سيجارتي؟ وهل تشعر الأزقة بفراقي؟

وصافرة العسة ستجد أذنًا تسمعها؟ وتسهر على نغماتها؟!

ــ آه … كم أنا غبي ؟!

ــ لماذا أعشق أحلاماً وأطلب أشياء لن تتحقق؟!

ــ إلى متى سأظل أطارد وهمًا لا أستطيع الوصول إليه؟!

كان وقتها النادل يهز كتفي بيده:

ــ سيدي … سيدي .. هل تريد شيئًا؟

أجيبه: لماذا؟!

فيجيب: هذه المرة العاشرة .. أحضر إليك وأنت لا ترد على!!!

أنظر إليه مبتسماً وأعيد علبة سجائري إلى جيبي وأمضي، ولكن لا أدري إلى أين؟!

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.