الذئب في الأدب 

0 2٬979

شيماء الوطني – البحرين

لفت نظري خلال فترة زمنية بسيطة، ثلاثة كتب قرأتها وكلها تشترك في استحضار (الذئب) في عناوينها ورغم أن دلالة الذئب في العناوين كانت مختلفة، إلا أن ذلك كان ملفتاً خاصةً إذا ما علمنا بأهمية العنوان كعتبة أولية للنص.

الكتب الثلاثة كانت مختلفة في تفاصيلها، كان أولها كتاب (أكله الذئب) للكاتب شاكر النابلسي وهو كتاب يتحدث عن السيرة الفنية لرسام الكاريكاتير ناجي العلي، والكتاب الثاني كان رواية (طعم الذئب) للكاتب عبدالله البصيص، وهي رواية بسرد غرائبي، فنتازي يمثل هلوسات وهواجس البطل التي تتمثل في صورة ذئب متكلم، أما الكتاب الثالث فكان للشاعر قاسم حداد وهو كتاب (ما أجملك أيها الذئب / جائع وتتعفف عن الجثث) كتاب يجمع بين دفتيه مقالات متعددة تتناول مواضيع مختلفة من ضمنها حديث الشاعر عن الكتابة والصداقة

من المهم في البداية أن نذكر ما للعنوان من أهمية رئيسية توازي النص ذاته، حيث يساهم في استكشاف معنى النص ويغري القارئ لقراءته وسبر أغواره. وحين نتحدث عن (الذئب) كعنوان لكتب مختلفة في الأدب العربي أو الأجنبي على حد سواء، لا بد لنا في البداية من فهم دلالة الذئب في اللغة بشكل عام.

نبدأ أولاً بتعريف الذئب، وهو حيوان من رُتبة اللَّواحم، له فكَّان مفترِسان، ونظَرٌ ثاقب، فضلاً عن حاسَّة شمٍّ قوية، يشبه الكلب ولكنه على عكسه؛ متوحِّش بطبعه، حتى لو ربِّيَ، واستُؤنِس منذ صغره، فطبيعتُه الشرسة وغريزته تَطغى عليه. وعند العرب للذئب أسماء عدة منها: السيد، السرحان، العسال وأويس، ويقال أن الذئب أكثر الحيوانات مكراً وحذراً، فاذا نام، أغمض إحدى عينيه وترك الأخرى مفتوحة.

الثقافة العربية كغيرها من الثقافات المختلفة تلجأ للتوظيف الرمزي للحيوان والطيور في إرثها الثقافي والمعرفي، لما له من مدلولات ومعان تثري النص، ولذلك نجد أن للذئب كما لعدد من الحيوانات والطيور حضور ورمزية في الإنتاج الأدبي

ورغم اختلاف المنظور الذي يأتي ذكر الذئب في سياقه، إلا أنه يظل أحد أكثر الحيوانات التي يتكرر استخدامها في سياق النصوص سواءاً الشعرية أو النثرية وحتى الدينية، ففي القرآن الكريم ذكر الذئب في سورة يوسف وقد جاء ذكره من منظورين للخير والشر على حد سواء، فالنبي يعقوب عليه السلام كان يخشى أن يفتك الذئب بابنه يوسف، في حين أن الضرر قد وقع على النبي يوسف من أخوته، وقد ظهرت براءة الذئب من دمه وجرت فيما بعد مجرى المثل: (براءة الذئب من دم ابن يعقوب)!، وقالوا أيضاً: (أَحْذَرُ مِن ذئب)، و(أخَفُّ رأسًا من ذئب).

أما الأمثال الشعبية فقالوا الذئب/ الذِّيب ما يهرول عبَث“، ولا يعني ذلك أن العرب قد أعطوا للذئب رمزية الشر والخبث، ولكنهم في الحقيقة جعلوه في كثير من آثارهم السردية والشعرية رمزاً للرجولة والجسارة والشرف، كما ربطوا بينه وبين الحذر والصبر، فقد قالوا: “إذا تمنَّيتَ فاستَكثِر، وإذا ذكَرْتَ الذئب فالتفِت، في التوراة يورد ذكر الذئب  كحيوان ضار (بنيامين ذئب ضار سفر التكوين 49/27 )، ولا ننسى في السياق ذاته أن الذئب في قصة (ليلى والذئب) ورد بصورة سلبية أيضاً كحيوان مفترس ومخادع.

في الشعر العربي كان للذئب حضوره في قصائد عدد كبير من الشعراء، كأنسي الحاج، محمود درويش، أدونيس، محمد الماغوط وسركون بولص، وفي الولايات المتحدة يرمز الذئب للولاء والقوة والصياد الناجح، ونتذكر هنا الصورة الجميلة التي ظهر بها الذئب في فيلم (الرقص مع الذئاب)، وهو الفيلم الحائز على عدد من جوائز الأوسكار.

أما في الأسطورة الإغريقية فإن (فنرير بن لوكي) كان ذئباً عملاقاً قام بتحطيم السلاسل والقيود، وحجب قرص الشمس بظله، فطغى على الأرض الظلام الدامس.

على موقع الغود ريدز وفي تصفح سريع سنجد عشرات الكتب التي تحمل عناوينها كلمة (الذئب)، ولعل أشهرها ما كتبه الألماني هرمان هسه في رواية (ذئب البراري) ، وجاك لندن في رواية (ذئب البحار).

 وفي كثير من الآداب العالمية تظهر شخصية (الطفل الذئب)، وهو الطفل الذي تربيه الذئاب، فتتنحى صفاته الإنسانية في مقابل ذئبيةطباع، ولعل أشهر الشخصيات الأدبية التي تحولت إلى أعمال سينمائية مثيرة والمرتبطة بالذئب شخصية الرجل الذئب أو (المستذئب) وهي

شخصية إنسان يتحول إلى ذئب كلما أكتمل القمر !

بعد هذا الاستعراض السريع يمكننا أن نلخص رمزية حضور الذئب في الأدب كرمزية للقوة واليقظة، أو كأحد العناصر الهامة في الروايات التي تتناول الحياة الصحراوية والبرية .

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.