تعليب “العربي” والبقاء خارج الصندوق
ليس جديداً على ساحة مواقع التواصل الاجتماعي تعليب المفاهيم من ناحية وتشويهها من ناحية أخرى. كما أن معارك التخوين والجدالات الخاوية من تناول جوهر الظواهر والتحولات والأحداث في تزايد مستمر.
فمفاهيم مثل ” الليبرالية ” و “النسوية” يتم تعليبها عربياً – خصوصاً في المملكة العربية السعودية، ببعض المطالبات الحقوقية والأفكار التحرريّة دون الالتفات إلى السياق التاريخي الذي انبثقت منه هذه المفاهيم وتطوّرت. كما أن الخلط الحاصل ما بين ما هو “حديث” وما هو “حداثي” أفقد الفوارق والخواص الدلالية لكلا المفردتين. ضمن هذا السياق، لم تفتأ مفردة “المثقف” ترمى كدلالة سلبية وساخرة على حاملها. كأن كل ما هو ” ثقافي” بالنسبة للجمهور العربي – عموماً – ومتصدري واجهة اللسان المتحدث للسلطات الرسميّة هو كل ما هو ناقص وغافل ومتعجرف ومعانق للأفكار الغربية وجاهل لمفاهيم الأصالة والثقافة العربية الاجتماعية، خصوصاً عندما يتصدّى أعضاء وأتباع المؤسسات الدينية إلى مفهوم “المثقف” و “الثقافي”. هذه الفئات تعمل على تعليب وتغليف مفهوم “المثقف” بما يتناسب مع أيديولوجياتهم، ويتوافق مع مشاريع السلطات – ورؤاها.
جعل البعض كل ما هو خارج عن إطار السلطة السياسية وتوجهاتها، وما هو خارج عن تعاليم السلطة الدينية، ” ثقافياً” كدلالة لكل ما هو دخيل وسلبي وغير ناضج. هذا التعامل السلبي مع “الثقافي” و “المثقف” خلق مفارقة عميقة من خلال التحريض على التساؤل والبحث عند المتابعين والقرّاء. رغم ذلك، ما زالت هناك مفردة تضاف إلى ” المثقف” أو “الثقافي” لتضييق نطاق الدلالات وحصرها ب “العربي”.
عندما ينتقد الجمهور أو النقّاد المثقف العربي أو العربي بشكل عام، رغم أن هؤلاء عرب، يتضح بالضرورة أن المنتقدين يضعون أنفسهم خارج الإطار السلبي، كعلامة فارقة. هذا الفعل المتزايد على صفحات تويتر والفيسبوك يتصدره من يعتبرون أنفسهم ضمن فريق النخبة الثقافية أو ضمن فريق المنتمين إلى المجتمع والوطن. فمن يعدّون أنفسهم ضمن النخبة غالباً ما يوجّهون انتقاداتهم بإحالات تضعهم في رفعة عن الجموع، القطيع، العوام، وغيرها من المفردات التي تعطي هذه الفئة موقع الفردانية. من ناحية أخرى، من يعدّون أنفسهم ضمن فريق المجتمع والوطن يوجّهون انتقاداتهم بإحالات تضع الآخر في نطاق المغرور، المتغطرس، المنتفع، الحداثي، المتأثر بالغرب وغيرها من الأوصاف التي تدّل على أصالتهم ووفائهم للجماعة. هذه المفارقات، أيديولوجية بالضرورة، تدل على أزمة علاقة المنتقدين مع أنفسهم ومع الآخر، كما تكشف عن أن قبول الآخر في مجتمعاتنا العربية بشكل عام ما زال مشروطاً. بكلمات أخرى، قبول الآخر يستدعي بالضرورة قبول ما يتوافق مع الذات أولاً لا قبول ما يختلف عنها. وهذا يحيل إلى أن انتقاد “المثقف” و”العربي” هو عدم تراضي وتوافق مع الذات ثقافياً وعربياً، بغض النظر عن المنتقد وتوجهاته.
هذا الفعل الذي يعلّب مفهوم “المثقف” ودلالة صفة “العربي” يفاقم أزمة النقد العربي، كما يبني حواجز تحول ما بين مصارحة الذات العربية لنفسها والبحث في عمق مشكلاتها، ويزيد مسافة ملامسة الأزمات وفتح حوار بعيد عن أحكام التعليب المسبقة. كما أن هذا النوع من النقد يعمل على توجيه النقد إلى الآخر لا إلى الذات، مما يساهم في تسطيح أزمات الذات العربية وتسطيح رؤية الآخر.