الممكنات الدرامية في مجموعة (عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي) لرجاء البو علي

قراءة بصرية

0 24

- Advertisement -

عباس أحمد الحايك – السعودية

كل قارئ يتلقى العمل السردي بطريقته الخاصة؛ فهناك من يملك معرفة بنظريات التلقي ويقرأ بعين الناقد، وهناك من يقرأ بعيداً عن كل نظرية بحثاً عن متعة خالصة. أما أنا، فقد وجدتني أقرأ السرد منطلقاً من اهتمامي بالدراما (مسرحاً وسينما وتلفزيوناً)، ويمكن أن أسميها (قراءة بصرية) تحيل كل كلمة أقرأها إلى صورة متخيلة، وكل شخصية إلى كائن متخيل بكل أبعاده. أقرأ القصة القصيرة والرواية كأني أشاهد فيلماً، أو أتابع عرضاً مسرحياً: شخصيات تتحرك على الخشبة، وأحداث تدور، وسينوغرافيا، وأصوات، وموسيقى.

​وهذا ما جعلني أختار قراءة مجموعة (عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي) للكاتبة رجاء البو علي، والصادرة عن منشورات جدل- الكويت -2024. ورغم أن الكاتبة لم تصنف مجموعتها كقصص قصيرة، وتركت النصوص التي ضمتها المجموعة بلا تصنيف، إلا أنني كنت أبحث عن الحكاية في هذه النصوص. حيث لم يخلُ أي نص من نصوصها من حكاية. ورغم أن بعضها اتجه للبوح، أو الكتابة التسجيلية السيرية، أو اليوميات، فإن الحكاية كانت لا تنفصل عن كل نص من نصوص المجموعة.

​وهذا تماماً ما يبحث عنه الكاتب المسرحي أو السيناريست: (الحكاية). فهي أصل الأنواع الأدبية والفنية أغلبها؛ أصل الرواية والقصة القصيرة، وأصل المسرحية، وأصل السيناريو سينمائياً كان أو تلفزيونياً. فكل كاتب يسرد حكايته بطريقته، فالقاص يكتبها بتقنية سرد تختلف عن كاتب المسرح أو السيناريست الذي يتجه للكتابة البصرية. هي فروقات تقنية، لكن الأصل واحد، كما أن عناصر كل واحد من هذه الأنواع هي ذاتها. فهناك حكاية تدور حول شخصية لها حاجة وتواجه تحديات يتخلق منها الصراع، وهذه الحكاية لا يمكن أن تُحكى دون أحداث متسلسلة، أو دون (حبكة) كما تسمى في السرد، أو (بناء درامي) كما تسمى في المسرح والسيناريو. لذا اخترت أن أقرأ المجموعة وأنا أبحث عن ممكنات الدراما في كل نص منها، وكيف يمكن أن تتحول هذه النصوص إلى أعمال درامية.

​فالقصة، منذ بدايات السينما، كانت مادة غنية تُصنع منها الأفلام. ومنذ أول عمل سردي تحول إلى فيلم، وهو فيلم (تريلبي وليتل بيلي-1896) الذي بلغت مدته 45 ثانية وصوّر جزءاً من رواية Trilby للكاتب الإنجليزي جورج دو مورييه الصادرة عام 1895، تواصل تحويل الأعمال السردية إلى أفلام ملهمة لصناع السينما، ثم صناع الدراما التلفزيونية حتى وقتنا هذا.

​أول نصوص المجموعة هو نص (عاملتي الأفريقية)، وفي النص صوتان: صوت الراوية (أو السيدة)، وصوت العاملة. صوتان، وثقافتان، وفكرتان تصلان حد التناقض، وصراعان بين شخصيتين متضادتين. هذا النص أخذني مباشرة إلى الخشبة؛ إلى نص مسرحي ثنائي، أو ما يصطلح عليه المسرحيون بـ(الديودراما). تبدأ المسرحية من لحظة الافتراق، بين صمت العاملة وغضب السيدة. العلاقة بينهما تملك المسحة الدرامية المفترضة لصناعة نص مسرحي عن امرأة اغتربت لتحقق أحلامها، “شابة جميلة وطموحة أجبرها القدر على اختيارٍ لا يشبهها”. إنه صراع بين الرغبات والواقع؛ رغبات في أن تصبح عارضة أزياء، ورفض من قِبل حبيبها، وظروف لا تسمح لها بتحقيق هذا الحلم. النص مشحون بالطاقة الدرامية، ويشبه المسرح أكثر من أي شيء آخر.

​أما النص الثاني من نصوص المجموعة (شقة في الملحق الأخير)، فنحن هنا أمام نص ثري بالتفاصيل، بالشخصيات، بالأمكنة، وبالأحداث، وبالزمن أيضاً، وبتحولات الشخصيات التي يمكن أن تُغني أي سيناريو مكتوب. نص قابل لأن يصبح فيلماً، حيث تحمل الأحداث تشويقاً وتوتراً وتصاعداً، وهي العناصر التي تصنع الدراما وتُصعّد من حالة التشويق في أي عمل درامي. فيلم يحمل هوية المكان، وتفاصيل عاشتها فتيات في زمن لم تكن المرأة تمتلك فيه المساحة التي تمتلكها الآن؛ حيث كانت المرأة وهي في الجامعة محاطة بالأعين التي تراقب وتتفحص، بينما هي الآن تملك القدرة على إغماض أي عين. هذا النص يحتاج إلى سيناريست يتوسع في الحكاية، بل الحكايات؛ فلكل شخصية في النص حكايتها، وهواجسها، وتحدياتها، ورغباتها. كل شخصية لديها أبعادها التي يمكن للسيناريست أن يشتغل عليها ويقدمها في إطار درامي.

​في المقابل، فإن النص الذي حمل اسم المجموعة (عشرة أيام في مركز عين قسيس الإنجيلي) لم يحمل طاقة درامية؛ فلا صراع هنا غير صراع سعي البطلة لتغيير الصورة النمطية لدى بقية المشاركين. النص عبارة عن صفحة من مذكرات بكل ما تحمله من أهمية، وهي ليست مذكرات عادية، بل مذكرات محملة بثقل معرفي. أخذتنا البطلة/الراوية إلى تفاصيل المكان والحوارات التي شاركت فيها، وعرّفتنا على كيف تفكر، وكيف تخضع كل شيء حولها للسؤال. إنه نص يمكن تلقيه بعيداً عن الدراما التي كنت أبحث عنها في نصوص المجموعة؛ فهو وثيقة معرفية، وإجابات عن أسئلة، كما أنه صحيفة دفاع عن السعودية، وعن نسائها، وعن ثقافتها. وهذا كله لم يجعل من لغة النص لغة تقريرية إنشائية، بل كانت لغته لغة سرد ممتع، يجعلك تواصل القراءة من السطر الأول وحتى نهاية النص.

​أما (جاثوم الحب)، فهو نص (مونودراما) جاهز، يحتاج فقط إلى إعادة صياغة وإعداد مسرحي؛ فثمة فضاء، وشخصية في لحظة فارقة تسترجع ذكرياتها، ومواقفها، وعلاقاتها. ثمة بوح، وصراع من أجل البقاء، ومن أجل العبور من لحظة البرزخ بين الحياة والموت؛ لحظة غارقة في الدراما التي يمكن أن تُستثمر في نص مشحون بالطاقة الدرامية.

​بينما نص (متعة)، نص جاهز لفيلم قصير، يصور صراع امرأة مع مجتمع يبرز أنيابه لافتراسها. امرأة أصبحت جاهزة للافتراس بعد أن حصلت على صك الطلاق، حيث يحيط بها رجال يسنّون نصالهم لحز رقبتها بحجج التضامن معها والوقوف إلى جانبها. امرأة تقف في وجه طوفان، فهل تتمكن من التغلب عليه والعبور إلى ضفة آمنة؟ هذا ما أعلنه النص القصصي الذي يملك طاقة درامية بامتياز.

​وكذلك نص (مونامور)، فهو نص لفيلم أنيق بكل تفاصيله؛ فيلم قصير عن بوادر الحب عند الصغار، كيف ينمو ويكبر؟. وفي النص قضية تُطرح، وهي الفصل الاجتماعي بين البنات والأولاد، والعبور من الطفولة إلى المراهقة، واللعب الطفولي. فيلم يمكن أيضاً أن يثير حالة من “النوستالجيا” لمن يشاهده من أبناء المنطقة؛ فيلم من تسعينيات القرن الماضي بكل ما فيها من ألفة وبساطة، بعيداً عن تعقيدات حياتنا الجديدة.

​وهناك نصوص يمكن أن تُجمع في مسلسل (منفصل) تكون لكل حلقة فيه قصة. فنص (حريق) واحد من القصص التي يمكن أن تُعد درامياً لحلقة مسلسلة؛ فالنص مكتمل درامياً من حيث التشويق، والتوتر، والإثارة، ويحكي عن حريق يلتهم شقة، وإنقاذ عائلة من النيران التي أكلت كل شيء. ومثله نص (رسائل كوب شاي) بما فيه من مفارقة درامية، ونص (عطب أمومي) الذي يقترب من سلوكيات البنات في المدارس وأثر التربية عليهن.

​وفي نص (هرة) أيضاً مفارقة درامية، بل هي مفارقة فكرية وتناقضات يعيشها البعض؛ تناقض المبادئ والقيم لدى أشخاص انتقائيين يختارون القضية التي تهمهم بينما هم غارقون في الخطأ في قضايا أخرى، وكأن القيم ليست ثوابت. ومن النصوص أيضاً التي يمكن أن تكون فكرة لحلقة تلفزيونية: نص (سلام أمي)، و(المشهورة)، و(سيدة المكتب الجديدة). كلها يمكن أن تصنع مسلسلاً تلفزيونياً يغوص في عمق الحياة الاجتماعية وقضايا المرأة؛ فهي نصوص قصصية تحمل تلك الطاقة الدرامية التي يحتاجها السيناريست ليكتب نصه التلفزيوني.

​ توقفت طويلاً عند نص (عيني على نعش)؛ فالنص يحمل كثافة وجدانية عالية. حيث تُحوّل القاصة لحظة الصدمة بفقد الأب إلى شريط من الذكريات والأسئلة الوجودية؛ أسئلة الحياة والموت والعلاقات. علاقة الأب بأبنائه وبعائلته؛ إذ تسترجع القاصة أحداثاً قد تبدو عادية لكنها تحمل كل مفردات الدفء العائلي. والتساؤل حول علاقة الأب بأبنائه حتى في التفاصيل الصغيرة (كحمل الحقيبة المدرسية عنهم) جعل البطلة تتساءل: “ما طبيعة المتعة التي يشعر بها الآباء وهم يحملون التعب عن أبنائهم؟”. الأمر هنا لا يتعلق بالحقيبة، بل يتعلق بالأبوة التي تتجاوز الإدراك؛ وفعلاً، فالآباء يحملون التعب، وليس الحقائب وحدها. النص محتشد بالتفاصيل الصغيرة التي يعتني بها السيناريست عادة وهو يكتب نصه السينمائي أو التلفزيوني، أو يبحث عنها المخرج ليؤثث صورته السينمائية. هنا في هذا النص، كل تلك التفاصيل قادرة على تحفيز مخيلة السيناريست؛ فثمة حكاية تُقال، وشخصيات، وذكريات، ومشاعر، وحالة فقد، وأمكنة متعددة، وكلها عناصر يمكن أن تصنع فيلماً روائياً طويلاً. الليلة الأولى بعد الفقد، كيف تحكي الجدران حكاية الأب؟ والممرات، والغرف، والحديقة الصغيرة؟ وكل فرد من العائلة يحمل من الذكريات ما يكفي لأن يُحكى بصرياً.

​لقد أخذتني كل النصوص في رحلة؛ قرأت فيها شخوصاً مختلفين، وأفكاراً، ويقيناً، وشكاً، وأسئلة، وإجابات. قرأت أحداثاً، وأمكنة، وحكايات. هذه النصوص جديرة بالقراءة، مثلما هي جديرة بأن تكون بذرة لمشاريع أعمال بصرية من سينما ومسرح وتلفزيون.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.