رسائلُ بْراغ لسارة دي كونينغ Sarah de Koning (1992)

0 3

- Advertisement -

ترجمة واختيار: مهدي النفري -هولندا

ثَمّةَ متسعٌ كبير، متسعٌ هائلٌ تحتَ هذه السماء. وفي غيابكِ أقفُ بلا حيلة.

***

أعلمُ أنني لستُ كذلك أنا فقط أحاولُ أن أعيشَ هكذا. ها هي ذي الكلماتُ التي لا يمكنني كتابتُها قبلَ أن تخُطَّها أنت. فوقَ كلِّ رسالةٍ أشنقُ شاعراً، أنا الذي طالما تمنيتُ بشدةٍ أن أكونَ ذلك السكونَ الأبيضَ لِسِربٍ من الطيورِ فوقَ مياهٍ خيّمَ عليها الصمت، لا هذه اليدُ التي تجيءُ لتقتلعَ القلبَ من الصدر، ليس الآن وقد بذلتُ بالفعلِ كلَّ ما أتمنى بذلَه، فمي القاسي، الاسمَ، فاصلتَها، والتحية. طابتْ ليلتُك، طابتْ ليلتُك، طابتْ ليلتك.

***

رأيتُ الأفعى في الخطوطِ المتوهجةِ للنافذةِ عرفتُها، سروةٌ فوقَ الماءِ بذراعٍ خضراءَ طويلة. سأقطعُها بفأسٍ تحتَ سماءٍ صافيةٍ تماماً، فجرَ يومِ سبتٍ من آذار. غامضٌ كلُّ شيء، مِصراعا بابٍ، صدرٌ شاحبٌ، وطوالَ اليومِ خفقانٌ وارتعاشٌ تحتَ الزجاج. بالأمسِ ليلًا لم يكنْ ثَمّةَ ضوء، هكذا قلتَ لي

عُد، وسأحبُّكَ ككلب.

***

أكتبُ إليك ليس لديَّ جديد، وهذه الرسالةُ ليستْ سوى انعكاسٍ لذلك نقطةٌ لا رجعةَ فيها، والملامح انتقالٌ مستمرٌ لكلماتٍ جاثية، كلماتٍ كسيحةٍ ومثقلةٍ بالكدمات. كان الأمسُ من نصيبِ أولئك الذين لا يبرؤون من الخلود، طيورٌ تنتظمُ فوقَ الأغصان، أشجارُ السرو، والشمسُ التي تضربُ الظلالَ كالأوتار. وجهٌ تتذكرُهُ وكأنهُ سوءُ فهم تلك هي الذاكرة.

***

ولذا في الليلِ وفي كلِّ ليلةٍ أمضي لأسبحَ في نهرِ المولداو**. الليالي التي لا أسبحُ فيها أكونُ قد غرقتُ. هكذا ثَمّةَ قاعٌ خارجيٌّ لي بألفِ إصبع، محاراتٌ، حطامُ خشبٍ، ومخطوطات. ومن الضفةِ ينبثقُ بجعٌ كالعظم. نعم، أنا عاشقٌ حتى الجنون وهذا حقُّ كلِّ غريق. أسبحُ الليلَ بطولِهِ هابطاً مع نهرِ المولداو في عتمةٍ تجرفني كالمِجرَفَة.

***

اكتبي لي لقد استيقظتُ. لم أعدْ أعرفُ شيئاً عن الظروفِ الخاصةِ والماضي، لا أتذكرُ سوى الإنسانيةِ والعيشِ المشترك. وأنتِ على ضفةٍ أو شرفة، وجهُكِ ممتدٌ نحو السماءِ الزجاجيةِ التي ننتمي إليها نحنُ أيضاً.

***

يكفي أن نرويَ أحداً من هذين العطشين. الكعكةُ والطفلُ اللذان يتقاسمانِ النهم، وأنا بكينونتي المزدوجةِ القابلةِ للقسمة، مزدوجٌ، ومنفصلٌ، وواحد، في هذا أجدُ البهجةَ التي تحرقُ روحي يدَها بها. مشهدٌ متزعزعٌ يزحفُ فيهِ كلامُكِ من فمكِ كذُبابة.

 من المهمِّ أن أُشركَ نفسي في هذا، أن أرى انعكاسي فيه.

**

في الماءِ أنا سباحٌ خارق. شيءٌ كهذا يقنعني بأنني لا غنى عني فأنا لا أعرفُ هذه الحياةَ حقاً، أنا الذي يصيبُني الذعرُ من أسماءِ الشوارع وفي الساحاتِ العامةِ أكونُ مفقوداً. آذارُ ممتلئٌ ومتألق كأنهُ بركةُ ماء. كم لا يزالُ لديَّ الكثيرُ لأقوله، ثَمّةَ متسعٌ كبير، متسعٌ هائلٌ تحتَ هذه السماء. وفي غيابكِ أقفُ بلا حيلة.

***

على مقربةٍ أشجارُ الأرزِ الكندية. أعشابٌ، وجوزُ الداتورة، وصمغُ الكرز، وكرزُ القدسِ السام. أنا نفسي أفعى خضراءُ في جلدٍ شاب لكنني لا أُصغي لقلبِ اللغة أبداً. أنا لا أكتبُ كلَّ شيء. الرسالةُ التي تأتي كجوابٍ هي يدٌ لا تلتقي بيدٍ أخرى. والأبياتُ تفقس كفِراخٍ مبللة. نبوءاتٌ غيرُ مرغوبٍ فيها، قوانينُ فيزيائية، وسراخسُ بيضاءُ مشتعلة، ثورانٌ، تدرجٌ، وأزمة.

*براغ العاصمة التشيكية

**المولداو النهر الرئيسي الذي يمر في قلب العاصمه (المترجم)

سارة دي كونينغ Sarah de Koning (1992)
شاعرة بلجيكية واعدة تعيش وتعمل في مدينة غنت. حظيت قصائدها بتقدير لافت في المشهد الأدبي حيث وصلت ثلاث مرات إلى قائمة أفضل مئة قصيدة في مسابقة (تيرينغ)، ونُشرت أعمالها في أبرز المجلات الأدبية والثقافية مثل (الأرنب الكاذب) و(إن واي) و(المراجع). في عام 2022 اختيرت لبرنامج الإقامة الأدبية في باريس من قِبل مؤسسة (الجيران). وصدرت مجموعتها الشعرية الأولى بعنوان (منسوجات) مطلع عام 2026 عن دار النشر العريقة (كيريدو) وهي مجموعة تمزج بعمق بين عوالم الكتابة والنسيج والأصوات النسوية المتمردة.
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.