سكين مسرح الجريمة

0 565

علي وهبي – لبنان

ما معنى أن تَرى رَجُلين مبتسمين كمَن لم يمُتْ لهُ أحدٌ؟

يقطّعُ أصغرُهما شمّامةً إلى شرائحَ طوليّةٍ بسكينٍ سقطتْ من يد أغاثا كريستي، يمرُّ بهما صديقهما فيضيّفهُ الشَّرِهُ شريحةً يقضمُها فيبتسمُ، كم كنتُ أتمنّى لو أبتسمَ مثلهم، ولكنّني حزينُ البالِ كمَن لم يحلّ لغزَ الجريمةِ الأخيرة.

تجرُّ يساري عربةَ التّسوّقِ ويميني تحمِلُ كيسي الجزر والفليفلة الخضراء.

أتابعُ سيري وراء والدتي، عائدين إلى البيتِ.

يدا أُمّي عينان، مذ كانتا تبحثانِ في شَعري عن “زؤان” الطّفولةِ، ولا بصمات لهما في مسرحِ الجريمةِ.

يدا أُمّي تَرى بهما جودةَ ما تبتاعُهُ مِن الفاكهةِ والخضراواتِ، لا تسألُ البائعَ عن اسمِهِ ولا يهمّها اسمَ المزارعِ كما لو أنّها بنيويّةٌ تبحثُ عن أدبيّتها، تعرفُ مناهجَ النّقدِ تطبيقًا فما حاجتها لمعرفة مصطلحاتها، قلبُ هذه الخَسّة لا يُأهّلها للانتقال إلى بيتنا، وملامح حبّات البطاطا الرّماديّةِ التُّربةِ تبدو غير جيّدةٍ للقَلي.

عرفتُ ألقابَ البائعين مِن مناداتهم لبعضهم.

ولم يكن واحدٌ منهم ليبتسمُ مثل ما كان آكلي الشّمّام يبتسمون.

فأبو محمّد كان منزعجًا بسبب بضاعته الَّتِي لم تُبَع بَعد، وهو مضطرٌّ للذّهاب إلى قريتهِ، كما لو أنَّ في قريته ضحيّة جديدة، لذا وضعَ الباذنجانَ، والتّفّاحَ، والخوخَ، والخيارَ، والحامضَ، والعنبَ على عربتِهِ الخشبيّةِ الطّويلةِ قرب عربةِ جارّه، ومنحَ زبائنه خصمًا مقبولًا، وقبلَ أن يغلقَ محلَّهُ ابتاعتْ والدتي منه تفّاحًا وخوخًا.

بُعيد مغادرتنا لمحلّه قالتْ لي أُمّي: “لن يبقى منزعجًا لقد اطمأنَ على بضاعتِهِ، وسيبتسمُ”.

تمتمتُ في سرّي: “سيبتسمُ مثل محقِّق اكتشفَ لغزَ سقوط السّكين”

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.